(أحدها): أنَّ الجنينَ يُخلَق من ماء الرجل وماء المرأة، خلافًا لمن يزعم من الطَّبَائِعِيّينَ أنه إنما يخلق من ماء الرجل وحده، وقد قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾[الطارق/ ٧٥].
قال الزجَّاج: قال أهل اللغة: التَّرِيبَة مَوْضِعُ القِلَادة مِن الصَّدْرِ، والجمع: تَرَائِب١.
وقال أبو عُبَيْدة: التَّرَائِب: مُعَلَّق الحَلْي على الصَّدْرِ٢.
وهو قول جميع أهل اللغة.
وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: يريد صُلْبَ الرَّجُل، وتَرَائِبَ المرأةِ، وهو مَوْضِعُ قِلادَتِهَا. وهذا قولُ الكَلْبيِّ، ومُقَاتِل، وسُفْيَان وجُمْهُورِ أهلِ التفسيرِ٣. وهو المطابقُ لهذه الأحاديثِ.
(١) معاني القرآن للزجّاج: ٥/ ٣١٢. وفيه: قال أهل اللغة أجمعون: الترائب: موضع ...
(٢) قاله في مجاز القرآن: ٢/ ٢٩٢.
(٣) انظر: معاني القرآن للفرِّاء: ٣/ ٢٥٥، تفسير الطبري: ٢٤/ ٣٥٤، وتفسير البغوي: ٨/ ٣٢٤.
وبذلك أجرى اللهُ العادةَ في إيجادِ ما يُوجِدُهُ من بين أَصْلَيْنِ، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾[الأنعام/ ١٠١]. فإنَّ الولد لا يتكوَّن إلا من بين الذَّكَرِ وصاحبتِه. ولا ينتقض هذا بآدم وحواء - أبَوَيْنَا - ولا بالمسيح، فإنَّ الله - سبحانه - مَزَجَ ترابَ آدم بالماءِ حتى صار طينًا، ثم أرسل عليه الهواء والشَّمسَ حتى صار كالفخَّار، ثم نفخَ فيه الرُّوحَ، وكانت حواء مستلَّةً منه، وجزءًا من أجزائِه، والمسيحُ خُلِقَ من ماءِ مريمَ ونفخةِ الملك، وكانت النفخةُ له كالأبِ لغيرهِ.
فها هنا أمران: سَبْقٌ وعُلُوٌّ، وقد يتفقان، وقد يفترقان؛ فإن سبقَ ماءُ الرجل ماءَ المرأة وعلاه، كان الولدُ ذكرًا والشَّبَهُ للرجل، وإن سبقَ ماءُ المرأة وعلا ماءَ الرجل كانت أنثى والشَّبَهُ للأم، وإن سبقَ أحدهما وعلا الآخرُ كان الشَّبَهُ للسّابق ماؤه، والإذكارُ والإيناثُ لمَنْ عَلا ماؤه.
(١) انظر المسألة في: التبيان في أيمان القرآن، ص ٥١٠ - ٥١٧، والطرق الحكمية: ٢/ ٥٨٤ - ٥٨٨، ومفتاح دار السعادة: ١/ ٢٥٨ - ٢٦٠.