وضعها في الرَّحم إلى آخر أحوالها بأسباب قدَّرها١، حتى الشقاوة والسعادة، والرزق والأجل والمصيبة، كل ذلك بأسباب قدَّرها٢، ولا ينكر أن يكون للإذكار والإيناث أسباب٣، كما للشَّبه أسباب، لكون٤ السبب غير موجب لمسبَّبه، بل إذا شاء الله جعل فيه اقتضاءه، وإذا شاء سَلَبَه اقتضاءه، وإذا شاء رتَّب عليه ضدَّ ما هو سبب له، وهو سبحانه يفعل هذا تارة، وهذا تارة، فالموجب مشيئة الله وحده، فالسبب متصرَّف فيه لا متصرِّفٌ، محكومٌ عليه لا حاكمٌ، مدبَّر لا مدبَّر، فلا تضادَّ بين قيام سبب الإذكار والإيناث وسؤال الملك ربَّه تعالى أي الأمرين يحدثه في الجنين. ولهذا أخبر سبحانه أن الإذكار والإيناث وجمعهما هبةٌ محضة منه - سبحانه - راجع إلى مشيئته وعلمه وقدرته.
فإن قيل: فقول الملك٥: يا ربِّ! أ ذكرٌ أم أنثى؟ مثل قوله: ما الرِّزقُ، وما الأجلُ؟ وهذا لا يستند إلى سبب من الواطئ، وإن كان يحصل بأسباب غير ذلك.
قيل: نعم، لا يستند الإذكار والإيناث إلى سبب موجب من الوطء،
(١) ساقطة من «أ».
(٢) «حتى الشقاوة ... قدَّرها» ساقط من «د».
(٣) في «د»: ولا ينكر أن يكون الإذكار والإيناث أسبابًا.
(٤) في «د»: لكي. وفي الهامش كتب مصححها: لعله: لكون.
(٥) في «أ» جاءت العبارة هكذا: قال: فيقول الملك.
وغاية ما هناك أن ينعقد جزء من أجزاء السبب، وتمامُ السبب من أمور خارجة عن الزوجين، ويكفي في ذلك أنه إن لم يأذن الله باقتضاء السبب لمسببه لم يترتب عليه، فاستناد الإذكار والإيناث إلى مشيئته سبحانه لا ينافي حصول السبب، وكونهما بسبب لا ينافي استنادهما إلى المشيئة، ولا يوجب الاكتفاء بالسبب وحده.
وأما تفرُّد مُسْلِمٍ بحديث ثوبان، فهو كذلك، والحديثُ صحيحٌ لا مَطْعَنَ فيه، ولكن في القلب من ذكر الإيناث والإذكار فيه شيء، هل حُفِظَت هذه اللفظة، أوهي غير محفوظة؟ والمذكور إنَّما هو الشَّبَه، كما ذكر في سائر الأحاديث المتفق على صحتها، فهذا مَوضِعُ نَظَرٍ كما ترى، والله أعلم.
فصل
وأما (الأمر الثاني)١: وهو اعتبار القَائِفِ لشَبَهِ الأب دون الأم، فذلك لأن كون الولد من الأم أمرٌ محقَّق لا يعرض فيه اشتباه؛ سواء أشبهها أو لم يشبهها، وإنما يحتاج إلى القافة في دعوى الآباء.
ولهذا يلحق بأبوين عند أصحاب رسول الله ﷺ وأكثر فقهاء أهل٢ الحديث، ولا يلحق بأُمَّين؛ فإذا ادعاه أبوان أُرِيَ القافة فأُلحق بمن كان
(١) في (ب، ج، د): الثالث. وهذا جواب عن الإشكال الثاني الذي أورده.