وكان يجتذبه من سُرَّته وهو ألطف شيء معتدل صحيح قد يصحُّ قلب الأم وعروقها الضوارب١، فهو شبيه بما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهواء اللطيف المعتدل، ثم يخرج منه وهلة واحدة عريانًا إلى الهواء العاصف المؤذي.
وبالجملة فقد انتقل عن مألوفه وما اعتاده وهلة واحدة، إلى ما هو أشدُّ عليه منه وأصعب. وهذا من تمام حكمة الخلَّاق العليم، ليمرن عبده على مفارقة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل منها وأنفع وأوفق له.
وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾[الانشقاق/ ١٩]. أي حالًا بعد حال٢، فأول أطباقه كونُه نطفةً، ثم عَلَقَةً، ثم مُضْغَةً، ثم جَنِينًا، ثم مولودًا، ثم رضيعًا، ثم فطيمًا، ثم صحيحًا أو مريضًا، غنيًّا أو فقيرًا، معافى أو مبتلى، إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت، ثم يُبعث، ثم يُوقف بين يدي الله تعالى، ثم يصير إلى الجنة أو النار.
فالمعنى: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بعد حالٍ، ومنزلًا بعد منزلٍ، وأمرًا بعد أمرٍ.
قال سعيد بن جبير وابن زيد: لتكونُنَّ في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرُنَّ أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى.
(٢) قال ابن عباس: «لتركبن طبقا عن طبق» حالًا بعد حال. قال هذا نبيكم ﷺ. أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة الانشقاق: ٨/ ٦٩٨.
وقال عطاء: شِدَّة بعد شِدَّة.
والطَّبَقُ والطَّبَقَةُ: الحال. ولهذا يقال: كان فلان على طبقات شتى.
قال عَمْرو بن العاص: لقد كنت على طبقات ثلاث، أي أحوال ثلاث١.
قال ابن الأعرابي: الطَّبَق: الحال على اختلافها٢.
وقد ذكرنا بعض أطباق الجنين في البطن من حين كونه نطفةً إلى وقت وِلَاده. ثم نذكر أطباقه بعد ولادته إلى آخرها، فنقول:
الجنين في الرَّحِم بمنزلة الثمرة على الشجرة في اتِّصالها بمحلِّها اتصالًا قويًّا، فإذا بلغت الغاية لم يبق إلا انفصالها لثقلها وكمالها وانقطاع العروق الممسكة لها، فكذا الجنين تُنتهك عنه تلك الأغشية وتنفصل العروق التي تمسكه بين المَشِيمَةِ والرَّحِم، وتصير تلك الرُّطوبات المزلقة، فتُعِينُه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العروق على الخروج، فينفتح الرَّحم انفتاحًا عظيمًا جدًّا، ولا بدَّ من انفصال بعض المفاصل العظيمة، ثم تلتئم في أسرع زمان.
وقد اعترف بذلك حُذَّاق الأطباء والمشرِّحين، وقالوا: لا يتمُّ ذلك