ولا أحْسَنَ من هذا الحكم ولا أقْرَبَ إلى الفطرةِ والعدل!
وعند النَّسائِيّ في رواية عن عبدَ الحميدِ بن جعفر الأنصاريِّ عن أبيه أن جَدَّهُ أسلمَ، وأبتِ امرأتُه أن تُسلم، فجاء بابنٍ له صغيرٍ ولم يَبْلُغ، فأجلسَ النبيُّ ﷺ الأبَ هاهنا، والأمَّ ها هنا، ثم خيَّرهُ١ وقال: «اللهمَّ اهْدِهِ، فذهبَ إلى أبيهِ»٢.
وفي «المسند» من حديث أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيهِ وأمِّهِ٣.
وأمَّا تقييدُ وقتِ التخيير بسبعٍ، فليس في الأحاديث المرفوعةِ اعتباره، وإنَّما ذُكِرَ فيه أثرٌ عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ.
قال عمارة الجَرْمِيّ: خيَّرني عليٌّ بين أُمِّي وعَمِّي، وكنت ابنَ سبعِ سنينَ أو ثمانِ سنين٤.
(١) «ثم خيَّرهُ» ساقط من (أ، ب، د).
(٢) أخرجه النسائي في الطلاق، باب إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد: ٦/ ١٨٥.
وهذا لا يدلُّ على أن مَنْ دون ذلك لا يخيَّر، بل اتَّفَقَ أنَّ ذلك الغُلامَ المخيَّر كان سِنُّه ذلك.
وفي «السُّنَن» من حديث أبي هُرَيْرَةَ: جاءتْ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ الله! إنَّ زَوْجِي يُريدُ أن يَذهبَ بِابْنِي، وقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبي عِنَبَةَ وقَدْ نَفَعَنِي، فقال النبيُّ ﷺ: هذا أَبُوكَ، وهذه أمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أيّهِمَا شِئْتَ. فأَخَذَ بِيَدِ أُمّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ١. ولم يَسْألْ عن سنِّه.
وظاهرُ أمرِهِ أنَّ غاية ما وصل إليه أنّه سقاها من البئر، فليس في أحاديث التخيير - مرفوعِها وموقوفِها - تقييدٌ بالسبع، والذي دلت عليه أنَّه متى ميَّز بين أبيه وأمه خُيِّر بينهما، والله أعلم.
وكذلك صحة إسلامه لا تتوقف على السبع، بل متى عقَل الإسلامَ ووصفَه، صحَّ إسلامه. واشترط الخِرَقِيُّ: أن يكون ابنَ عَشْرِ سنينَ٢.
(١) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب من أحقُّ بالولد؟: ٨/ ٣٤٢ - ٣٤٣، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا: ٤/ ٥٨٩ وقال: «حديث حسن صحيح»، والنسائي في الطلاق، باب إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد: ٦/ ١٨٥ - ١٨٦ وابن ماجه في الأحكام، باب تخيير الصبي بين أبويه: ٢/ ٧٨٢، والإمام أحمد في المسند: ٢/ ٢٤٦ وفي طبعة الرسالة: ١٢/ ٣٠٨ وصححه الحاكم: ٢/ ٢٠٦. وانظر: نصب الراية للزيلعي: ٣/ ٢٧٠ - ٢٧١، بذل المجهود في حل سنن أبي داود: ٨/ ٢٨٠ - ٢٨٣.
(٢) انظر: مختصر الخرقي مع المغني لابن قدامة: ١٢/ ٢٧٨.