وقال لمعَاذٍ: «خُذْ مِنْ كلِّ حَالِمٍ دِينَارًا». رواهما أَحْمَد وأبو داود١.
وليس لوقتِ الاحتلامِ سنٌّ معتادٌ، بل من الصِّبيانِ مَنْ يحتلمُ لاثنتي عشرةَ سنةً، ومنهم من يأتي عليه خمسَ عشرةَ، وستَّ عشرةَ سنةً، وأكثرُ مِنْ ذلك، ولا يحتلمُ.
واختلف الفقهاء في السنِّ الذي يبلغ به مثلُ هذا، فقال الأَوْزَاعِيُّ، وأَحْمَدُ، والشّافِعِيّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمَّد: متى كمَّل خمسَ عشرةَ سنةً حُكِمَ ببلوغِه.
ولأصحاب مالكٍ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها سبع عشرة، والثاني ثماني عشرة، والثالث خمس عشرة. وهو المحكيُّ عن مالك.
وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما سبع عشرة، والأخرى: ثماني عشرة، والجَارِيَة عند سبع عشرة٢.
(١) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة: ٢/ ١٩٥، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر: ٣/ ٢٥٧، وقال: «هذا حديث حسن». ثم قال: «وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق ... وهذا أصح»، وأخرجه النسائي في الزكاة، باب زكاة البقر: ٥/ ٢٦، والدارقطني: ٢/ ١٠٢، والحاكم: ١/ ٣٩٨ وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند: ٥/ ٢٣٠، وفي طبعة الرسالة: ٣٦/ ٣٣٨ - ٣٣٩، والبغوي في شرح السنة: ٦/ ١٩. وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر: ٤/ ١٢٢.
وقال داود وأصحابه: لا حدَّ له بالسنِّ، إنما هو الاحتلام. وهذا قول قويٌّ وليس عن رسول الله ﷺ في السنِّ حدٌّ البتة. وغايةُ ما احتجَّ به مَن قيَّده بخمس عشرة سنة، بحديث ابن عمر حيث عُرِضَ على النبيّ ﷺ في القتال وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْهُ، ثم عُرض عليه وهو ابن خمس عشرة فأجازه١.
وهذا الحديث وإن كان متفقًا على صحته، فلا دليل فيه على أنّه أجازه لبلوغه، بل لعلَّه استصغره أوَّلًا، ولم يَرَهُ مُطِيْقًا للقتال، فلمَّا كان له خمس عشرة سنة رآه مطيقًا للقتال، فأجازه، ولهذا لم يَسْألْهُ هل احتلمتَ أو لم تحتلمْ، واللهُ سبحانه إنَّما علَّق الأحكامَ بالاحتلامِ، وكذلك رسولُ الله ﷺ، ولم يأتِ عنه في السنِّ٢ حديثٌ واحدٌ سوى ما حكاه ابنُ عُمَرَ من إجَازَتِه ورَدِّهِ.
ولهذا اضطربت أقوال الفقهاء في السنِّ الذي يُحكَم ببلوغ الصبيِّ له، وقد نصَّ الإمام أَحْمَدُ على أنَّ الصبيَّ لا يكونُ مَحْرَمًا للمرأة حتى يحتلمَ، فاشْتَرَطَ الاحتلامَ٣.
(١) عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الخندق: ٧/ ٣٩٢، ومسلم في الإمارة، باب بيان سن البلوغ: ٣/ ١٤٩٠.