وأمَّا ما ذكره بعض المتأخرين: أنه يكشف١ ويَسْتَدْبِرُه النَّاظر، ويستقبلان المرآةَ جميعًا وينظر إليها الناظر، فيرى الإنبات. فشيءٌ قاله من تلقاء نفسه، لم يفعله رسول الله ﷺ، ولا أحدٌ من الصحابة، ولا اعتبره أحدٌ من الأئمةِ قَبْلَه.
فصل
فإذا تيقّن بلوغَه جرى عليه قلمُ التَّكليف، وثبتَ له جميعُ أحكامِ الرَّجُل، ثم يأخذ في بلوغ الأشُدِّ.
قال الزَّجَّاجُ: «الأشُدّ»: من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين٢.
وقال ابن عبَّاس في رواية عطاء عنه: «الأشُدّ»: الحلم. وهو اختيار يحيى بن يعمر، والسُّدّيّ. وروى مجاهد عنه: ثلاثًا وثلاثين٣ سنة، وروى عنه أيضًا: ثلاثين.
وقال الضّحَّاك: عشرين سنة، وقال مقاتل: ثمان عشرة٤.
(١) في «أ»: يكشف عنه.
(٢) معاني القرآن وإعرابه للزجّاج: ٤/ ٤٤٢.
(٣) في (ب، ج): ستًا وثلاثين.
(٤) انظر هذه الأقوال وتخريجها في تفسير الطبري: ١٢/ ٢٣ وما بعدها، وتفسير البغوي: ٣/ ٢٠٤ و٤/ ٢٢٦ و٦/ ١٩٥، وتفسير ابن أبي حاتم: ٥/ ٤٣٩ و٨/ ٣١٩ - ٣٢٠، ومعاني القرآن للنحاس: ٥/ ١٦٤.
وقد أحكم الأزهَرِيُّ١ تفسير اللفظة٢، فقال: بلوغ الأشُدِّ يكون من وقتِ بلوغِ الإنسانِ مبلغَ الرِّجال إلى أربعينَ سنةً. قال: فبلوغ الأشُدِّ محصورُ الأوَّلِ، محصورُ النهايةِ، غيرَ محصورٍ ما بين ذلك. فبلوغ الأشد مرتبةٌ بين البلوغ وبين الأربعين.
ومعنى اللفظة من الشدة، وهي القوة والجلادة. والشديد: الرَّجُلُ القويُّ، فالأشُدُّ: القُوَى.
قال الفَرَّاء: واحدها: شَدٌّ في القياس، ولم أسمع لها بواحدٍ٣.
وقال أبو الهيثم: واحدها: شِدَّةٌ كَنِعْمَةِ وأنْعُمٍ.
وقال بعض أهل اللغة: واحدها: شُدٌّ بضم الشين، وقال آخرون
(١) في (ب، ج): الزهري. وانظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١١/ ٢٦٦ وما بعدها.
(٢) في جميع النسخ «تحكيم» وفي هامش «أ»: لعله: تفسير. وهو الأنسب للسياق.
(٣) قال الطبري في التفسير ١٢/ ٢٢: «الأشُد» جمع «شَدٍّ»، كما «الأضُرّ» جمع «ضر»، وكما «الأشُرّ» جمع «شر»، و«الشد»: القوة، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، كما «شَدُّ النهار» ارتفاعُه وامتداده. يقال: أتيته شدَّ النهار ومدَّ النهار، وذلك حين امتداده وارتفاعه; وكان المفضَّل - فيما بلغني - ينشد بيت عنترة: عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا ... خُضِبَ اللَّبَانُ وَرَأْسُهُ بِالْعِظْلِمِ وكان بعض البصريين يزعم أن «الأشد» مثل «الآنُك». فأما أهل التأويل، فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل: «بلغ أشدّه».