وقد أحكم الأزهَرِيُّ١ تفسير اللفظة٢، فقال: بلوغ الأشُدِّ يكون من وقتِ بلوغِ الإنسانِ مبلغَ الرِّجال إلى أربعينَ سنةً. قال: فبلوغ الأشُدِّ محصورُ الأوَّلِ، محصورُ النهايةِ، غيرَ محصورٍ ما بين ذلك. فبلوغ الأشد مرتبةٌ بين البلوغ وبين الأربعين.
ومعنى اللفظة من الشدة، وهي القوة والجلادة. والشديد: الرَّجُلُ القويُّ، فالأشُدُّ: القُوَى.
قال الفَرَّاء: واحدها: شَدٌّ في القياس، ولم أسمع لها بواحدٍ٣.
وقال أبو الهيثم: واحدها: شِدَّةٌ كَنِعْمَةِ وأنْعُمٍ.
وقال بعض أهل اللغة: واحدها: شُدٌّ بضم الشين، وقال آخرون
(١) في (ب، ج): الزهري. وانظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١١/ ٢٦٦ وما بعدها.
(٢) في جميع النسخ «تحكيم» وفي هامش «أ»: لعله: تفسير. وهو الأنسب للسياق.
(٣) قال الطبري في التفسير ١٢/ ٢٢: «الأشُد» جمع «شَدٍّ»، كما «الأضُرّ» جمع «ضر»، وكما «الأشُرّ» جمع «شر»، و«الشد»: القوة، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، كما «شَدُّ النهار» ارتفاعُه وامتداده. يقال: أتيته شدَّ النهار ومدَّ النهار، وذلك حين امتداده وارتفاعه; وكان المفضَّل - فيما بلغني - ينشد بيت عنترة: عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا ... خُضِبَ اللَّبَانُ وَرَأْسُهُ بِالْعِظْلِمِ وكان بعض البصريين يزعم أن «الأشد» مثل «الآنُك». فأما أهل التأويل، فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل: «بلغ أشدّه».
منهم: هو اسم مفرد، كالآنُك، وليس بجمع. حكاهما ابنُ الأنْبَارِيّ١.
فصل
ثم بعد الأربعين يأخذ في النُّقصَانِ وضَعْفِ القُوى على التَّدريج، كما أخذ في زيادتها على التَّدريج.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾[الروم/٥٤]. فقوَّتُه بين ضعفين، وحياته بين موتين، فهو أولًا نُطْفَة، ثم عَلَقَةٌ، ثم مُضْغَةٌ، ثم جنينٌ ما دام في البطن، فإذا خرج فهو وليد، فما لم يستتمَّ سبعة أيام، فهو صَدِيغٌ ــ بالغين المعجمة ــ لأنه لم يشتدَّ صُدْغُه، ثم ما دام يرضع، فهو رَضِيع، فإذا قطع عنه اللبن فهو فَطِيمٌ، فإذا دبَّ ودَرَجَ فهو دَارِجٌ، قال الرَّاجِز:
يَا لَيْتَنِي قَد زُرْتُ غَيرَ حَارِجأمَّ صَبِيٍّ قد حَبَا أو دَارِجِ٢
فإذا بلغ طوله خمسةَ أشبارٍ، فهو: خماسي، فإذا سقطت أسنانه، فهو مَثْغُور وقد ثَغَرَ، فإذا نبتت بعد سقوطها، فهو مُثَّغِرٌ - بوزن مُدِّكِر - بالتاء والثاء معًا، فإذا بلغ السبع وما قاربها، فهو مميِّز، فإذا بلغ العشر، فهو مُتَرَعْرِعٌ ونَاشِئ، فإذا قارب الحلُم، فهو يافِعٌ، ومُرَاِهٌق، ومُنَاهِزٌ للحُلُم،
(١) انظر هذه الأقوال في تهذيب اللغة للأزهري: ١١/ ٢٦٦ وما بعدها، ومعاني القرآن للنحاس: ٥/ ١٦٤، ومعاني القرآن وإعرابه للزجَّاج: ٤/ ٤٤٢.
(٢) هما للشماخ بن ضرار المازني الذبياني في ديوانه، ص ٣٦٣.