فإذا بلغ، فهو بَالِغٌ، فإذا اجتمعت قوَّتُه، فهو حَزَوَّر، واسمه في جميع ذلك غُلَامٌ ما لم يخضَرَّ شاربُه، فإذا اخضرَّ شاربه وأخذ عِذَارُهُ في الطلوع، فهو بَاقِلٌ، وقد بَقَلَ وجهه - بالتخفيف - ثم هو ما بين ذلك وبين تكامل لحيته: فَتَى وشَارِخٌ بحصول شرخ الشباب له١.
قال الجَوْهَرِيُّ: الفتى: الشَّاب، والفتاة: الشَّابة٢. ويطلق الفتى على المملوك وإن كان شيخًا كبيرًا، ومنه الحديث: «لا يَقُلْ أحدُكم: عَبْدي وأَمَتِي، ولْيَقُلْ: فَتَايَ وفَتَاتِي»٣. ويقال: الفتى، على السَّخِيِّ الكريم٤.
فإذا اجتمعت لحيتُه، فهو شَابُّ إلى الأربعين، ثم يأخذ في الكُهُولَة إلى الستين، ثم يأخذ في الشَّيْخُوخَة، فإذا أخذ شعرُه في البياض، قيل: شَابَ، فإذا ازداد قيل: وَخَطَهُ الشَّيْبُ، فإذا زاد قيل: شَمِط، فإذا غلب شيبه، فهو أغْثَمٌ، فإذا اشتعل رأسُه ولحيته شيبًا، فهو مُتَقَعْوِسٌ٥، فإذا
(٣) أخرجه البخاري في العتق، باب كراهية التطاول عل الرقيق: ٥/ ١٧٧، ومسلم في الألفاظ، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد: ٤/ ١٧٦٤ برقم (٢٢٤٩).
(٤) الصحاح، الموضع السابق.
(٥) في «أ، ج، د»: منق. وفي المخصَّص لابن سيده ١/ ٣٠: قال أبو عبيد: تَقَعْوَسَ الشيخُ: كَبِرَ. وتَقَعْوَسَ البَيْتُ تَهَدَّم، وقال ابن الأنباري: تَقَعْوَشَ كتَقَعْوَسَ.
انحطَّ قواه فهو هَرِمٌ، فإذا تغيَّرت أحواله وظهر نَقْصُه فقد رُدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُر، فالموت أقرب إليه من اليد إلى الفم.
فصل
فإذا بلغ الأجلَ الذي قُدِّر له١ واستوفاه، جاءته رُسُل ربِّه
ــ ﷿ ــ ينقلونه من دار الفناء إلى دار البقاء، فجلسوا منه مَدَّ البصر، ثم دنا منه الملَك الموكَّل بقبض الأرواح، فاستدعى بالروح.
فإن كانت روحًا طيبةً، قال: اخْرُجِي أيتها النَّفس الطيِّبة٢ كانت في الجسد الطيِّب، اخرجي حميدة وأبشري برَوْحٍ ورَيْحَانٍ وربٍّ غيرِ غضبان، فتخرج من بدنه كما تخرج القطرة مِنْ فِي السِّقَاء، فإذا أخذها لم يَدَعْهَا الرُّسُل في يديه طَرْفَةَ عينٍ، فَيُحنِّطُونها ويُكَفِّنُونها بحَنُوط وكفن من الجنَّة، ثم يصلُّون عليها، ويوجد لها كأطيب نفحةِ مسكٍ وُجِدَتْ على وجه الأرض، ثم يصعد بها للعرض الأول على أسرع الحاسبين، فينتهي بها إلى سماء الدنيا، فيستأذن لها، فيفتح لها أبواب السماء، ويصلِّي عليها ملائكتها، ويشيِّعها مُقَرَّبُوهَا إلى السماء الثانية، فيُفْعَلُ بها كذلك، ثم الثالثة، ثم الرابعة، إلى أن ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ــ ﷿ ــ فتحيِّي ربَّها ﵎ بتحية الربوبية: اللهم أنت
(١) في «أ»: قدر الله له. وانظر في هذا الفصل: التذكرة بأحوال الموتى وأمر الآخرة للقرطبي: ١/ ٢٢١ وما بعدها.