بانقضاء أجل العالم وطيِّ الدنيا، فتمطر الأرض مطرًا غليظًا أبيض كمَنِيِّ الرجال، أربعين صباحًا، فينبتون من قبورهم كما تنبت الشجرة والعشب.
فإذا تكاملت الأجنَّة وأقربت الأم، وكان وقت الولادة، أمر الله سبحانه إسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث، وهي الثالثة، وقبلها نفخة الموت، وقبلها نفخة الفزع، فتشققت الأرض عنهم، فإذا هم قيام ينظرون، يقول المؤمن: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور».
حتى إذا تكاملتْ عِدَّتُهم، وصاروا جميعًا على وجه الأرض، تشقَّقتِ السماء، وانْتَثَرتِ الكواكب، ونزلتْ ملائكة السماء، فأحاطت بهم، ثم نزلت ملائكةُ السماء الثانية، فأحاطت بملائكة السماء الدنيا، ثم كلُّ سماء كذلك.
فبينما هم كذلك، إذ جاء ربُّ العالمين - سبحانه - لفصل القضاء، فأشرقت الأرض بنوره، وتميَّز المجرمون من المؤمنين، ونُصِبَ الميزانُ، وأُحْضِر الدِّيوانُ، واسْتُدْعِي بالشهود، وشهدت يومئذ الأيدي والألْسُن والأَرْجُل والجلود.
ولا تزال الخصومة بين يدي الله - سبحانه - حتى يختصم الروح والجسد، فيقول الجسد: إنما كنت ميتًا لا أَعْقِل ولا أسمع ولا أُبصر، وأنتِ كنتِ السميعةَ المبصرة العاقلةَ، وكنت تصرِّفِينَنِي حيث أردتِ، فتقول الرُّوح: وأنت الذي فعلتَ وباشرتَ المعصية وبطشتَ!
فيُرسِل الله - سبحانه - إليهما ملَكًا يحكم بينهما، فيقول: مثَلُكُمَا مَثَلُ بصير مقعد، وأعمى صحيح، دخلا بستانًا، فقال المقعد: أنا أرى الثمار ولا أستطيع أن أقوم إليها، وقال الأعمى: أنا أستطيع القيام ولكن لا أرى شيئًا، فقال له المقعد: احملني حتى أصل إلى ذلك، ففعلا، فعلى من تكون العقوبة؟
فيقولان: عليهما، فيقول: فكذلك أنتما.
فيحكم الله - سبحانه - بين عباده بحكمه الذي يَحمَدُه عليه جميعُ أهل السماوات والأرض، وكلُّ بَرٍّ وفاجر، ومؤمن وكافر، ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾[النحل/ ١١١]. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾[الزلزلة/ ٧ - ٨].