تحفة المودود

فبينما هم كذلك، إذ جاء ربُّ العالمين - سبحانه - لفصل القضاء، فأشرقت الأرض بنوره، وتميَّز المجرمون من المؤمنين، ونُصِبَ الميزانُ، وأُحْضِر الدِّيوانُ، واسْتُدْعِي بالشهود، وشهدت يومئذ الأيدي والألْسُن والأَرْجُل والجلود.

ولا تزال الخصومة بين يدي الله - سبحانه - حتى يختصم الروح والجسد، فيقول الجسد: إنما كنت ميتًا لا أَعْقِل ولا أسمع ولا أُبصر، وأنتِ كنتِ السميعةَ المبصرة العاقلةَ، وكنت تصرِّفِينَنِي حيث أردتِ، فتقول الرُّوح: وأنت الذي فعلتَ وباشرتَ المعصية وبطشتَ!

فيُرسِل الله - سبحانه - إليهما ملَكًا يحكم بينهما، فيقول: مثَلُكُمَا مَثَلُ بصير مقعد، وأعمى صحيح، دخلا بستانًا، فقال المقعد: أنا أرى الثمار ولا أستطيع أن أقوم إليها، وقال الأعمى: أنا أستطيع القيام ولكن لا أرى شيئًا، فقال له المقعد: احملني حتى أصل إلى ذلك، ففعلا، فعلى من تكون العقوبة؟

فيقولان: عليهما، فيقول: فكذلك أنتما.

فيحكم الله - سبحانه - بين عباده بحكمه الذي يَحمَدُه عليه جميعُ أهل السماوات والأرض، وكلُّ بَرٍّ وفاجر، ومؤمن وكافر، ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل/ ١١١]. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة/ ٧ - ٨].

432

ثم ينادي منادٍ: لتتبعْ كلُّ أمة ما كانت تعبد، فيذهب أهل الأوثان مع أوثانهم، وأهلُ الصَّليب مع صليبهم، وكلُّ مشركٍ مع إلهه الذي كان يعبد، لا يستطيع التخلُّفَ عنه، فيتساقطونَ في النار.

ويبقى الموحِّدونَ، فيقالُ لهم: ألا تنطلقونَ حيث انطلقَ النَّاسُ؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم، وإن لنا ربًّا ننتظره.

فيقال: وهل بينكم وبينه علامةٌ تعرفونه بها؟

فيقولون: نعم، إنه لا مثل له.

فيتجلَّى لهم سبحانه في غير الصورة التي يعرفونه، فيقول: أنا ربُّكم.

فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يَأتِيَنا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عرفناه، فيتجلَّى لهم في صورته التي رأوه فيها أوَّلَ مرَّةٍ ضاحكًا، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نعم، أنت ربُّنا، ويخِرُّون له سجّدًا، إلا من كان لا يصلي في الدنيا، أو يصلي رياء، فإنَّه يُحَال بينه وبين السّجُودِ.

ثم ينطلق - سبحانه - ويَتبعونه، ويُضرب الجسرُ، ويُساق الخلق إليه، وهو دحض مَزَلَّة، مظلم، لا يمكن عبوره إلا بنور، فإذا انتهوا إليه، قسمت بينهم الأنوار على حسب نور إيمانهم وإخلاصهم وأعمالهم في الدنيا، فنورٌ كالشمس، ونورٌ كالنجم، ونورٌ كالسراج في قوَّته وضعفه.

وتُرسَلُ الأمانةُ والرَّحِمُ على جَنَبَتَي الصِّراط، فلا يجوزه خائنٌ، ولا قاطعُ رَحِمٍ.

433

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي