تحفة المودود

ثم ينادي منادٍ: لتتبعْ كلُّ أمة ما كانت تعبد، فيذهب أهل الأوثان مع أوثانهم، وأهلُ الصَّليب مع صليبهم، وكلُّ مشركٍ مع إلهه الذي كان يعبد، لا يستطيع التخلُّفَ عنه، فيتساقطونَ في النار.

ويبقى الموحِّدونَ، فيقالُ لهم: ألا تنطلقونَ حيث انطلقَ النَّاسُ؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم، وإن لنا ربًّا ننتظره.

فيقال: وهل بينكم وبينه علامةٌ تعرفونه بها؟

فيقولون: نعم، إنه لا مثل له.

فيتجلَّى لهم سبحانه في غير الصورة التي يعرفونه، فيقول: أنا ربُّكم.

فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يَأتِيَنا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عرفناه، فيتجلَّى لهم في صورته التي رأوه فيها أوَّلَ مرَّةٍ ضاحكًا، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نعم، أنت ربُّنا، ويخِرُّون له سجّدًا، إلا من كان لا يصلي في الدنيا، أو يصلي رياء، فإنَّه يُحَال بينه وبين السّجُودِ.

ثم ينطلق - سبحانه - ويَتبعونه، ويُضرب الجسرُ، ويُساق الخلق إليه، وهو دحض مَزَلَّة، مظلم، لا يمكن عبوره إلا بنور، فإذا انتهوا إليه، قسمت بينهم الأنوار على حسب نور إيمانهم وإخلاصهم وأعمالهم في الدنيا، فنورٌ كالشمس، ونورٌ كالنجم، ونورٌ كالسراج في قوَّته وضعفه.

وتُرسَلُ الأمانةُ والرَّحِمُ على جَنَبَتَي الصِّراط، فلا يجوزه خائنٌ، ولا قاطعُ رَحِمٍ.

433

ويختلف مرورهم عليه بحسب اختلاف استقامتهم على الصراط المستقيم في الدنيا، فمارٌّ كالبرق، وكالرِّيح، وكالطير، وكأَجَاوِيْدِ الخيل؛ وساعٍ، وماشٍ، وزاحفٌ، وحابٍ حَبْوًا.

ويُنْصَبُ على جَنَبتَيهِ كَلَالِيبُ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلا الله ــ ﷿ ــ تعوقُ من علقت به عن العُبُور على حسب ما كانت تعوقه الدنيا عن طاعة الله ومَرْضَاتهِ وعُبُودِيَّتِهِ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مُسَلَّم، ومقطع بتلك الكلاليب، ومَكْدُوسٌ في النار، وقد طفئ نور المنافقين على الجسر أحْوَجَ ما كانوا إليه، كما طفئ في الدنيا من قلوبهم، وأُعْطُوا دون الكفار نورًا في الظاهر كما كان إسلامهم في الظاهر دون الباطن، فيقولون للمؤمنين: قفوا لنا ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ما نجوزُ به، فيقول المؤمنون والملائكة: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾] الحديد/ من الآية ١٣ [.

قيل: المعنى: ارجعوا إلى الدنيا، فخذوا من الإيمان نورًا تجوزون به كما فعل المؤمنون١.

وقيل: ارجعوا وراءكم حيث قسمت الأنوار، فالتمسوا هناك نورًا تجوزون به.

ثم ضرب ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وبين أهل الإيمان ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ﴾ الذي يلي

  1. (١) أخرج نحوه الطبري عن ابن عباس: ٢٧/ ٢٢٤. وانظر: الدر المنثور: ١٤/ ٢٧٠ - ٢٧١.
434

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي