وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، إلهًا جلَّ عن المثيلِ والنَّظيرِ١، وتعالى عن الشَّريْكِ والظَّهيرِ، وتقدَّسَ عن شَبَهِ خَلْقهِ٢، فَـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[الشورى/ ١١].
وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورَسُولُهُ، وخِيرتُه من خَلْقه، وأمينُه على وَحْيِهِ، وحجَّتُهُ على عِبَادهِ. أرسلَهُ رحمةً للعالمينَ، وقُدْوةً للعَامِلينَ، ومَحجَّةً للسَّالكينَ، وحُجَّةً على العِبادِ أجمعينَ، فَهَدَى به مِنَ الضَّلالةِ، وعلَّم به من الجَهالةِ، وكثَّر بهِ بعد القِلَّةِ، وأعزَّ به بعد الذِّلةِ، وأغْنَى به بعد
فصلَّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورُسلُهُ وعبادُه المؤمنونَ عليه - كما وحَّد اللهَ٢ وعرَّف به٣ ودعا إليه - وعليهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ الله - سبحانه - نوَّع أحكامَهُ على الإنسانِ مِنْ حينِ خروجهِ إلى هذه الدَّارِ إلى أنْ٤ يستقرَّ في دار القَرارِ. وقَبْلَ ذلك - وهو في الظُّلماتِ الثَّلاثِ - كانتْ أحكامُه القَدَرِيَّةُ جاريةً عليه ومُنتهيةً إليه، فلمَّا انفصل عن أُمِّه تعلَّقت به أحكامُهُ الأمْرِيَّةُ، وكان المخاطَبُ بها الأبَويْن، أو مَنْ يقومُ مقامَهما في تربيتِهِ والقيامِ عليه. فللّه - سبحانه - فيه أحكامٌ أمَرَ قيِّمَهُ بها ما دامَ تحتَ كفالتِه، فهو المطالَبُ بها دونَه، حتى إذا بلغَ حدَّ التكليفِ تعلَّقتْ به الأحكامُ، وجَرَتْ عليه الأقلامُ٥، وحُكِم له بأحكامِ أهلِ