فصلَّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورُسلُهُ وعبادُه المؤمنونَ عليه - كما وحَّد اللهَ٢ وعرَّف به٣ ودعا إليه - وعليهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ الله - سبحانه - نوَّع أحكامَهُ على الإنسانِ مِنْ حينِ خروجهِ إلى هذه الدَّارِ إلى أنْ٤ يستقرَّ في دار القَرارِ. وقَبْلَ ذلك - وهو في الظُّلماتِ الثَّلاثِ - كانتْ أحكامُه القَدَرِيَّةُ جاريةً عليه ومُنتهيةً إليه، فلمَّا انفصل عن أُمِّه تعلَّقت به أحكامُهُ الأمْرِيَّةُ، وكان المخاطَبُ بها الأبَويْن، أو مَنْ يقومُ مقامَهما في تربيتِهِ والقيامِ عليه. فللّه - سبحانه - فيه أحكامٌ أمَرَ قيِّمَهُ بها ما دامَ تحتَ كفالتِه، فهو المطالَبُ بها دونَه، حتى إذا بلغَ حدَّ التكليفِ تعلَّقتْ به الأحكامُ، وجَرَتْ عليه الأقلامُ٥، وحُكِم له بأحكامِ أهلِ
(١) في "أ": الفقر.
(٢) في "د": وجّه الله.
(٣) في "أ": وعرَّف.
(٤) في "ب، د": حين
(٥) في "ج": وجرت به الأقلام.
الكُفْرِ وأهلِ الإسْلامِ، وأخذ في التأهُّب لمنازلِ السُّعَداءِ أو دارِ الأشْقِياءِ، فتُطْوَى به١ مَرَاحِلُ الأيامِ والليالي إلى الدَّار التي كُتِب مِنْ أهلها، ويُسِّرَ في مَراحلِهِ تلكَ لأسبابِها، واستُعْمِل بعَمَلِها، فإذا انتهى به السَّيرُ إلى آخر مرحلةٍ، أشرفَ منها على المسكنِ الذي عُمِّر له قبل إيجادهِ، إمَّا منزلُ شِقْوتِه، وإمَّا منزلُ سعادتِه، فهناك٢ يضعُ عَصَا السَّفرِ عن عَاتقِهِ، ويستقرُّ نَواهُ، وتصيرُ دارُ العَدْلِ مأواهُ، أو دارُ السَّعادةِ مَثْوَاهُ.
فصل
وهذا كتابٌ، قَصَدْنا فيه ذِكْرَ٣ أحكامِ المولُودِ المتعلِّقةِ به بعد ولادتهِ ما دامَ صغيرًا؛ من عَقِيقَتهِ وأحْكَامِهَا، وحَلْقِ رأسهِ، وتَسْمِيَتهِ، وخِتَانهِ، وبَولهِ، وثَقْبِ أُذُنهِ، وأحْكامِ تربيتهِ، وأطوارِه من حين كونهِ نُطْفَةً إلى مُسْتَقَرِّهِ في الجنَّةِ أو النَّارِ، فجاء كتابًا بديعًا٤ في معناهُ، مشتملًا من الفَوائدِ على ما لا يَكادُ يُوجَدُ٥ في سِوَاه؛ مِنْ نُكَتٍ بَدِيعَةٍ من التَّفسيرِ، وأحَادِيثَ تدعُو الحاجةُ إلى مَعْرِفَتِهَا وعِلَلِهَا والجَمْعِ٦ بين مُخْتَلِفِهَا،
(١) في "أ، ب": فيطوى به.
(٢) في "ب": هناك.
(٣) ساقطة من "د".
(٤) في "د": نافعًا.
(٥) في "أ، ب": ما لا تكاد توجد. وسقطت كلمة (في) من "د".