قال الشّافِعِيّ: "أن لا تكثر عيالكم"١. فدلَّ على أنَّ قِلَّةَ العيال أَوْلى؟.
قيل: قد٢ قال الشّافِعِيُّ ﵀ ذلك، وخَالفَه جمهورُ المفسِّرينَ من السَّلَف والخَلَفِ، وقالوا: معنى الآية: ذلك أدْنَى أن لا تَجُوروا ولا تَمِيلُوا، فإنَّه يُقالُ: عَالَ الرَّجُل يَعُولُ عَوْلًا: إذا مَالَ وجَارَ. ومنه عَوْلُ الفَرائضِ؛ لأنَّ سِهَامَها زادتْ. ويقال: عَالَ يَعِيلُ عَيْلةً: إذا احتاج. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾[التوبة/ ٢٨].
وقال الشاعر:
(١) جاء في "أحكام القرآن" للإمام الشافعي، الذي جمعه البيهقي من كلام الإمام ١/ ٢٦٠: "وقوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أي: لا يكثر من تعولوا، إذا اقتصر المرء على واحدة: وإن أباح له أكثر منها. أخبرنا أبو الحسن بن بشران العدل ببغداد أنا أبو عمر محمد بن عبدالواحد اللغوي، صاحب ثعلب، في كتاب: "ياقوتة الصراط" (ص ٩٥ منه)؛ في قوله ﷿: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: أن لا تجوروا، و(تعولوا): تكثر عيالكم. وروينا عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ذلك أدنى أن لا يكثر من تعولونه".
وأمَّا كثرةُ العِيَالِ، فليس من هذا ولا من هذا، ولكنَّه من (أَفْعَلَ). يقال: أَعَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ: إذا كثُر عيالُه، مثل: ألْبَنَ وأَتْمَر: إذا صار ذا لَبَنٍ وتَمْرٍ. هذا قول أهل اللغة.
قال الوَاحِدِيُّ في "بسيطه": "ومعنى ﴿تَعُولُوا﴾:تجُوروا. عن جميع أهل التفسير واللغة.
ورُويَ ذلك مرفوعًا، روت عَائِشَةُ ﵂ عن النبيّ ﷺ في قوله٢: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال٣: "أن لا تجُورُوا"٤.
ورُوِيَ: "أن لا تَمِيلُوا".
قال: وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والحَسَنِ وقَتادةَ والرَّبِيعِ والسُّدّيّ
(١) البيت لأُحَيْحةَ بن الجُلاح من قصيدة له في جمهرة أشعار العرب: ٢/ ٦٥٩، وهو من شواهد الفرَّاء في معاني القرآن:١/ ٢٥٥، والطبري: ٧/ ٥٤٩، واللسان: ١٣/ ٥١٧.
(٢) ساقط من "أ". وفي "ب": قال.
(٣) ليست في "د".
(٤) أخرجه ابن المنذر في التفسير برقم (١٣٣٦)، وابن أبي حاتم: ٣/ ٨٦٠، وابن حبان برقم (٤١٠٤) عن عائشة. قال ابن أبي حاتم: "قال أبي هذا خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف". وانظر: الدر المنثور للسيوطي: ٢/ ٤٠٣.