قلت: ويدلُّ على تعيُّنِ هذا المعنى من الآية - وإنْ كان ما ذكَرَهُ الشّافِعِيُّ ــ ﵀ ــ لغةً حَكَاهَا الفرَّاءُ عن الكِسَائيِّ، أنه قال: ومِنَ الصَّحابةِ مَنْ يقولُ: عَالَ يَعُولُ: إذا كَثُرَ عِيَالهُ، قال الكِسَائيّ: وهي لغةٌ فصيحةٌ سمعتُها من العرب.
لكنْ يتعيَّنُ الأولُ لوجوهٍ:
(أحدها): أنَّه المعروفُ في اللغةِ الذي لا يكاد يُعرَفُ سواه، ولا يُعرَف٣ عَالَ يَعُولُ: إذا كثر عياله؛ إلا في حكاية الكِسَائيّ. وسائرُ أهلِ اللغةِ على خِلافِهِ.
(الثاني): أنَّ هذا مَرويٌّ عن النبيِّ ﷺ، ولو كان من الغَرائِبِ فإنَّه يَصْلُحُ للتَّرجيحِ.
(١) في "ج": ابن مالك. وأبو مالك هو غزوان الغفاري.
(٢) إلى هنا ينتهي ما نقله المصنف عن الواحدي في "البسيط" (٦/ ٣١٠ - ٣١١). وانظر الأقوال المنقولة عن المفسرين المذكورين في: سنن سعيد بن منصور: ٣/ ١١٤٤ - ١١٤٥، وتفسير ابن أبي حاتم: ٣/ ٨٦٠، وتفسير الطبري: ٧/ ٥٤٩، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ١/ ١١٧، وتفسير مجاهد: ١/ ١٤٤، وتفسير سفيان الثوري، ص ٨٧، ومعاني القرآن للزجّاج: ٢/ ٧، ومعاني القرآن للفرَّاء: ١/ ٢٥٥.
(٣) ولا يعرف. ساقط من "ج".
(الثالث): أنَّه مرويٌّ عن عائِشةَ وابنِ عبَّاسٍ، ولم يُعرَف١ لهما مخالفٌ من المفسِّرينَ. وقد قال الحاكمُ أبو عبد الله: تفسيرُ الصحابيِّ
ــ عندنا ــ في حُكْمِ المرفوعِ٢.
(الرابع): أنَّ الأدلَّةَ التي ذكرناها على٣ استحبابِ تزوُّجِ الوَلُود، وإخبارَ النبيّ ﷺ أنه يُكاثِر بأمته الأُممَ يوم القيامة، يردُّ هذا التفسيرَ.
(الخامس): أنَّ سِيَاقَ الآية إنَّما هو في نَقْلِهِمْ ممَّا يخافونَ الظُّلمَ والجَوْرَ فيهِ إلى غيره، فإنَّه قالَ في أوَّلها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي
(١) في "أ": ولم يعلم.
(٢) قال الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٥٨: "ليعلم طالب الحديث أنَّ تفسيرَ الصحابيِّ الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديثٌ مُسْنَدٌ". وهذا الكلام في تفسيرٍ يتعلق بسبب نزول آية، كقول جابر: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قُبلها كان الولد أحول، فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. رواه مسلم برقم (٢٥٩٢). أو نحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي ﷺ، ولا مدخل للرأي فيه. وقد صرّح بذلك في "معرفة علوم الحديث" ص (١٩ - ٢٠) فقال: "ومن الموقوفات ما حدَّثناه أحمد بن كامل بسنده عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: "تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحمًا على عظم". قال الحاكم: هذا وأشباهه يعدُّ في تفسير الصحابة من الموقوفات، فأما ما نقول: إن تفسير الصحابة مسند، فإنما نقوله في غير هذا النوع. انظر: تدريب الراوي للسيوطي: ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر:٢/ ٥٣٠ - ٥٣٢.