تحفة المودود

الجاهليَّةُ من أمْرِ البناتِ حتى كانُوا يَئِدُونَهُنَّ. أي: هذا النوعُ المؤخَّر الحقيرُ عندَكُم مقدَّمٌ عندي في الذِّكْرِ.

وتأمَّل كيف نَكَّر - سبحانه - الإناثَ، وعرَّف الذكورَ، فجبر نَقْصَ الأُنُوثةِ بالتَّقديمِ، وجَبَرَ نَقْصَ التَّأخيرِ بالتعريفِ، فإنَّ التعريف تنويهٌ، كأنَّه قال: ويَهَبُ لمَنْ يشاءُ الفُرْسَانَ الأعلامَ المذكُورِينَ الذين لا يَخْفَون عليكم!

ثم لمَّا ذكَر الصِّنْفَيْنِ معًا قدَّمَ الذُّكُورَ إعطاءً لكلٍّ من الجنسينِ حقَّه من التقديم والتأخير. والله أعلم بما أراد من ذلك.

والمقصود: أنَّ التسخُّطَ بالإناثِ١ من أخلاقِ الجاهليَّة الَّذين ذمَّهم اللهُ تعالى في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ٥٨ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل/ ٥٨ - ٥٩].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف/ ١٧].

ومن هاهنا عبَّر بعضُ المعبِّرينَ لرجلٍ قال له: رأيتُ كأنَّ وجهي أسود! فقال: ألكَ امرأةٌ حاملٌ؟ قال: نعم. قال: تَلِدُ لك أُنثى.

  1. (١) في "أ": بالبنات.
25

وفي "صحيح مُسْلِمٍ" من حديث أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ عَالَ جَارِيَتَين حتَّى تَبْلُغَا، جاءَ يومَ القيامةِ أنا وهوَ هكذا" وضمَّ أُصْبُعَيهِ١.

وروى عبدُ الرزَّاقِ: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيّ، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْر، عن عائشةَ قالت: جاءتْ امرأةٌ ومعها ابنتانِ لها تسألُني، فلم تجِدْ عندي شيئًا غيرَ تمرةٍ واحدةٍ، فأعطيتُها إيَّاها، فأخَذَتْها فشقَّتْهَا بين ابنتَيْهَا، ولم تأكلْ منها شيئًا، ثم قامتْ فخرجتْ هي وابْنَتاها، فدخلَ رسولُ الله ﷺ على تَفِيئَةِ٢ ذلك، فحدَّثْتُهُ حَدِيْثَها، فقال رسولُ الله ﷺ: "من ابتُلِي مِنْ هذه البنات بشيءٍ فأحسنَ إليهنَّ، كُنَّ له سترًا من النَّار"٣.

ورواه ابنُ المبَارَكِ عن مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ ابنِ حَزْم، عن عُرْوَةَ، وهو الصَّحيحُ٤.

  1. (١) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل الإحسان إلى البنات: ٤/ ٢٠٢٨ برقم (٢٦٣١). ومعناه: من قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوها. مأخوذ من العول وهو القوت. وحتى تبلغا: أي تتزوجا.
  2. (٢) في "أ": على بقية، وفي "د": فدخل بقية ... وقوله: على تفيئة ذلك أي: على أثره.
  3. (٣) أخرجه عبدالرزاق في المصنف:١٠/ ٤٥٧ - ٤٥٨، برقم (١٩٦٩٣)، وأخرجه الترمذي برقم (١٩١٣) وقال: "حديث حسن"، وأخرجه ابن حبان برقم (٢٩٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان:١٥/ ١٧٥.
  4. (٤) هذا قول البيهقي في شعب الإيمان:١٥/ ١٧٦. والرواية بهذا الإسناد أخرجها البخاري في الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة: ٣/ ٢٨٣، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل الإحسان إلى البنات: ٤/ ٢٠٢٧ برقم (٢٦٢٩).
26

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي