ولما كانت البشارة تَسُرُّ١ العَبْدَ وتُفْرِحُه، استُحِبَّ للمُسْلِم أن يبادر إلى مَسَرَّة أخيه وإعلامِه بما يُفْرِحُه.
ولما وُلِدَ النبيُّ ﷺ بَشَّرتْ به ثُوَيْبَةُ عمَّه أبا لهبٍ - وكان مَوْلَاهَا - وقالت: قد وُلِدَ الليلةَ لعبدِ اللهِ ابنٌ، فأَعْتَقَها أبو لهبٍ سرورًا به، فلم يضيِّعِ اللهُ ذلك له، وسَقَاهُ بعد موته في النُّقْرَةِ التي في أصْلِ إبْهَامِهِ٢.
فإنْ فاتَتْهُ البشارةُ استُحِبَّ له تهنئتُه.
والفرق بينهما: أنَّ البشارة إعلامٌ له بما يَسُرُّه، والتهنئة دعاءٌ له بالخير فيه بعد أن عَلِمَ به.
(١) في "أ، ج": تبشر.
(٢) أخرجه البخاري: ٩/ ١٤٠. وهذا النفع إنما هو نقصان من العذاب، وإلا فعملُ الكافرِ كلُّه محبَط بلا خلاف. أي لا يجده في ميزانه ولا يدخل به جنة، وقد كان رسول الله ﷺ يصل ثويبة من المدينة ويتحفها؛ لأنها كانت أرضعته وعمه حمزة، ولما افتتح مكة سأل عنها، وعن ابنٍ لها اسمه مَسْرُوح، فأُخبر أنهما قد ماتا. انظر: الروض الأنُف للسهيلي: ٣/ ٩٦، وفتح الباري لابن حجر: ٩/ ١٤٥ - ١٤٦.
ولهذا لما أنزل الله توبةَ كعبِ بنِ مالكٍ وصاحِبَيْه ذهب إليه البشير فبشَّره، فلما دخل المسجد جاء الناس فهنَّؤوه١.
وكانت الجاهليَّةِ يَقُولُونَ في تَهْنِئَتِهم بالنكاحِ: بالرِّفَاءِ والبَنِيْنَ٢.
و"الرِّفاء": الالتحام والاتفاق، أي تزوجتَ زواجًا يحصل به الاتِّفاقُ والالْتِحَامُ بينكما.
و"البنون": فيهنِّؤون بالبنينَ سلفًا وتعْجِيْلًا.
ولا ينبغي للرجل أن يهنِّئَ بالابنِ ولا يهنِّئَ بالبنتِ، بل يهنِّئُ بهما، أو يَتركُ التهنئةَ بهما، ليتخلَّصَ من سُنَّة الجاهليَّة؛ فإنَّ كثيرًا منهم كانوا يهنِّؤون بالابنِ وبوفاةِ البنتِ دون ولادتِها.
وقال أبو بكر ابنُ المُنْذِرِ٣ في "الأوسط": رُوِّينا عن الحَسَنِ البصريِّ أن رجلًا جاء إليه وعنده رجلٌ قد وُلِد له غلامٌ، فقال له: يَهْنِيكَ الفارسُ. فقال له الحَسَنُ: ما يُدريكَ فارسٌ هو أو حمار؟ قال: فكيف
(١) انظر قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه في: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك: ٨/ ١١٣، وفي مواضع أخرى، وفي صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه: ٤/ ٢١٢٠.