عدة الصابرين

فإن قيل: فما تقولون في الصبر عن المسألة في هذه الحال؟

قيل: اختلف في حكمه هل هو حرام أو مباح؟ على قولين هما لأصحاب أحمد١. وظاهر نصه أن الصبر عن المسألة جائز، فإنه قيل له: إذا خاف إن لم يسأل أن يموت؟ فقال: لا يموت، يأتيه اللَّه برزق٢، أو كما قال.

فأحمد منع وقوع المسألة، ومتى علم اللَّه ضرورته وصدقه في ترك المسألة قيض له رزقًا.

وقال كثير من أصحاب أحمد والشافعيّ: يجب عليه المسألة، وإن لم يسأل كان عاصيًا؛ لأن المسألة تتضمن نجاته من التلف٣.

  1. = أنه من قول مسروق، كما في رواية الأثرم.
    وأثر مسروق رواه: عبد الرزاق في "المصنف" رقم (١٩٥٣٦)، ووكيع -كما في تفسير ابن كثير (١/ ١٩٥) -، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٣٥٧).
  2. (١) انظر: "الفروع" لابن مفلح (٦/ ٢٠٤)، و"كشاف القناع" (٦/ ١٩٦).
    واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية عدم وجوب السؤال. انظره في: "الاختيارات الفقهية" ص: ٤٦٤.
  3. (٢) قاله الإِمام أحمد في رواية الأثرم أيضًا. انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (٤/ ١٢٠ - ١٢١)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٣/ ٢٢٣)، و"الفروع" لابن مفلح (٦/ ٢٠٤)، و"كشاف القناع" (٦/ ١٩٦).
  4. (٣) وهو اختيار القاضي أبي يعلى من الحنابلة. انظر: كشاف القناع (٦/ ١٩٦). ولم أقف في كتب الشافعية على نص في وجوب المسألة، ولكن وقفت على أنه يجب على المضطر أن يأخذ من غيره ما يدفع ضرورته، بل يجب عليه القتال فيه في وجهٍ، ولا شك أن وجوب المسألة أخفّ من ذلك. انظر: "المجموع" للنووي (٩/ ٤٦).
55

فصل

ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبُعٍ أو حيّة أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله، بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له بل يستحب الصبر كما دلت عليه النصوص الكثيرة.

وقد سُئِل النبي ﷺ عن هذه المسألة، فقال: "كُنْ كخير ابنَي آدم"١، وفي لفظ: "كُن عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل"٢،

  1. (١) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٤٢٥٧) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، بلفظ: "كن كابنَيْ آدم".
    قال الطبراني في "الأوسط" رقم (٨٦٧٨): "لم يُرْوَ هذا الحديث عن سعد إلا من حديث بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، ولا رواه عن بكير إلا عياش وابن لهيعة". وكل من بكير وعياش ثقة. انظر: "تقريب التهذيب" ص: ١٧٧، ٧٦٤.
    ورواه أبو داود في "سننه" رقم (٤٢٥٩)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٦١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل. . . " الحديث، وفيه: "فليكن كخير ابنَيْ آدم".
    وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" برقم (٥٩٦٢).
  2. (٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ١١٠)، وأبو يعلى في "مسنده" (٥/ ٧٢)، والطبراني في "الكبير" رقم (٣٦٣٠)، من حديث خباب بن الأرت بلفظ: "فكن عبد اللَّه المقتول ولا تكن عبد اللَّه القاتل".
    وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ٢٩٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٢٨١) من حديث خالد بن عرفطة نحوه. وله شواهد أخرى، وصححه الألباني بمجموع طرقه في "إرواء الغليل" (٨/ ١٠٤).
56

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي