ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبُعٍ أو حيّة أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله، بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له بل يستحب الصبر كما دلت عليه النصوص الكثيرة.
وقد سُئِل النبي ﷺ عن هذه المسألة، فقال: "كُنْ كخير ابنَي آدم"١، وفي لفظ: "كُن عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل"٢،
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٤٢٥٧) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، بلفظ: "كن كابنَيْ آدم". قال الطبراني في "الأوسط" رقم (٨٦٧٨): "لم يُرْوَ هذا الحديث عن سعد إلا من حديث بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، ولا رواه عن بكير إلا عياش وابن لهيعة". وكل من بكير وعياش ثقة. انظر: "تقريب التهذيب" ص: ١٧٧، ٧٦٤. ورواه أبو داود في "سننه" رقم (٤٢٥٩)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٦١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل. . . " الحديث، وفيه: "فليكن كخير ابنَيْ آدم". وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" برقم (٥٩٦٢).
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ١١٠)، وأبو يعلى في "مسنده" (٥/ ٧٢)، والطبراني في "الكبير" رقم (٣٦٣٠)، من حديث خباب بن الأرت بلفظ: "فكن عبد اللَّه المقتول ولا تكن عبد اللَّه القاتل". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ٢٩٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٢٨١) من حديث خالد بن عرفطة نحوه. وله شواهد أخرى، وصححه الألباني بمجموع طرقه في "إرواء الغليل" (٨/ ١٠٤).
وفي لفظ آخر: "دعه يبوءُ بإثمه وإِثمك"١، وفي لفظ آخر: "فإن بَهَرَك شعاعُ السّيف فَضَع يَدَك على وَجْهِك"٢.
وقد حكى اللَّه سبحانه استسلام خير بني آدم وصبره وأثنى عليه بذلك، وهذا بخلاف قتل الكافر، فإنه يجب عليه الدفع عن نفسه؛ لأنّه من مقصود الجهاد أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين.
وأما قتال اللصوص، فهل يجب فيه الدفع أو يجوز الاستسلام؟
فإن كان عن٣ معصوم غيره وجب، وأما عن نفسه فظاهر نصّه أنه لا يجب الدفع٤، وأوجبه بعضُهم٥.
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٨٧)، من حديث أبي بكرة بلفظ: "يبوء بإثمه وإثمك". وأخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٥٨) من حديث أبي ذر بلفظ: "فيبوء بإثمه وإثمك".
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٤٢٦١)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٥٨) من حديث أبي ذر ﵁ بلفظ: "فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألقِ ثوبك على وجهك". وصححه ابن حبان حيث أخرجه في صحيحه رقم (٥٩٦٠). وصححه أيضًا الحاكم في المستدرك (٢/ ١٥٧) على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي.
(٣) ليست في الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) وهو المذهب، وفرض هذه المسألة في الفتن، أما إذا كان في غير وقت الفتن فالذي عليه نص أحمد وعليه المذهب أنه يجب الدفع. انظر: "المغني" (١٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤)، و"الهداية" (٢/ ١٠٩)، و"الإنصاف" (١٠/ ٣٠٤).