أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنُه.
الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به.
الثالث: صبره على فعل المكروه.
والرابع: صبره عن فعل المستحب.
فصل
وأما الصبر المباح، فهو: الصبر عن كل فعلٍ مستوي الطرفين خُيّرَ بين فعله وتركه والصبر عليه.
وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب وعليه مكروه، والصبر عن المباح وعليه مباح، واللَّه أعلم.
الباب التاسع في بيان تفاوت درجات الصبر
الصبر كما تقدم١ نوعان: اختياري، واضطراري٢.
والاختياري أكمل من الاضطراري؛ فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتَّى ممن لا يتأتَّى منه الصبر اختيارًا٣، ولذلك كان صبر يوسف الصديق ﷺ عن مطاوعته امرأةَ العزيز، وصبرُه على ما ناله من ذلك من الحبس والمكروه، أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجُبِّ وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبيد.
ومن الصبر الثاني: إنشاء اللَّه سبحانه له ما أنشأه من العزّ والرفعة والملك والتمكين في الأرض٤.
وكذلك صبر الخليل والكليم، وصبر نوح، وصبر المسيح، وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم صلى اللَّه عليهم أجمعين، كان صبرًا على الدعوة إلى اللَّه ومجاهدة أعداء اللَّه، ولهذا سماهم اللَّه تعالى "أولو العزم" وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾[الأحقاف: ٣٥].
(١) في أول الباب الخامس.
(٢) انظر هذا التقسيم للصبر في "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٦٠، ٦١ - ٦٢)، و"مجموع فتاوى شيخ الإِسلام" (١٠/ ١٢٢ - ١٢٤).
(٣) في (ب): "الاختياري".
(٤) انظر المفاضلة بين نوعي الصبر فيما جرى ليوسف ﵇ في: "مجموع فتاوى شيخ الإِسلام" (١٠/ ١٢١ - ١٢٢).