والاختياري أكمل من الاضطراري؛ فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتَّى ممن لا يتأتَّى منه الصبر اختيارًا٣، ولذلك كان صبر يوسف الصديق ﷺ عن مطاوعته امرأةَ العزيز، وصبرُه على ما ناله من ذلك من الحبس والمكروه، أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجُبِّ وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبيد.
ومن الصبر الثاني: إنشاء اللَّه سبحانه له ما أنشأه من العزّ والرفعة والملك والتمكين في الأرض٤.
وكذلك صبر الخليل والكليم، وصبر نوح، وصبر المسيح، وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم صلى اللَّه عليهم أجمعين، كان صبرًا على الدعوة إلى اللَّه ومجاهدة أعداء اللَّه، ولهذا سماهم اللَّه تعالى "أولو العزم" وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾[الأحقاف: ٣٥].
(١) في أول الباب الخامس.
(٢) انظر هذا التقسيم للصبر في "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٦٠، ٦١ - ٦٢)، و"مجموع فتاوى شيخ الإِسلام" (١٠/ ١٢٢ - ١٢٤).
(٣) في (ب): "الاختياري".
(٤) انظر المفاضلة بين نوعي الصبر فيما جرى ليوسف ﵇ في: "مجموع فتاوى شيخ الإِسلام" (١٠/ ١٢١ - ١٢٢).
وأولو العزم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ١ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾[الشورى: ١٣]. وفي قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ٧﴾[الأحزاب: ٧] كذلك قال ابن عباس وغيرُه من السلف٢.
ونهاه سبحانه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولي العزم فقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ٤٨﴾[القلم: ٤٨].
وهنا سؤال وهو أن يُقال: ما العامل في الظرف؟ وهو قوله: ﴿إِذْ﴾، ولا يمكن أن يكون الفعل المنهي عنه، إذ يصير المعنى: لا تكن مثله في ندائه، وقد أثنى اللَّه سبحانه عليه في هذا النداء وأخبر أنه نجاه به، فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٨٧ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ٨٨﴾[الأنبياء: ٨٧، ٨٨].
وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ: أنه قال: "دعوةُ أخي ذي النّون إذ دعا بها في بطن الحوت، ما دعا بها مكروبٌ إلا فَرّجَ اللَّهُ عنه: لا إله إلا أنتَ سبحانك إني كنتُ من الظالمين"٣.
(١) "من" سقطت من الأصل.
(٢) رواه عن ابن عباس: ابن أبي حاتم وابن مردويه، كما في "الدر المنثور" (٧/ ٤٥٤). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٢١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٦/ ٣٧)، عن قتادة وعطاء الخراساني.
(٣) أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥٠٥) من حديث سعد بن أبي وقاص =