عدة الصابرين

أي: لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلئ غيظًا وهمًّا وغمًّا، بل يكون نداؤك نداءَ راضٍ بما قضي عليه، قد تلقَّاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر، لا نداء كظيم؟.

قيل: هذا المعنى وإن كان صحيحًا، فلم يقع النهي عن التشبه به في مجرده، وإنما نهي عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مُغاضبًا حتى سُجنَ في بطن الحوت، ويدل عليه قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] ثم قَال ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] أي في ضَعف صبره لحكم ربه، فإن الحالة التي نهي عنها هي ضد الحالة التي أمر بها.

فإن قيل: فما منعك أن تَصير إلى أنه أُمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي يقدّره عليه، ولا يكن كصاحب الحوت حيثُ لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه، فلم يصبر على احتماله والسكون تحته؟

قيل: منع من ذلك أن اللَّه سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من الضرّ، وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٨٧ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ٨٨﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨] فكيف يَنهى عن التشبه به فيما يُثني عليه ويمدحه به؟!

وكذلك أثنى على أيوب بقوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ٨٣﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وعلى يعقوب بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وعلى موسى بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ٢٤﴾ [القصص: ٢٤]، وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله

62

بقوله: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي" الحديث١.

فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجميل بل إعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر، واللَّه سبحانه يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦﴾ [المؤمنون: ٧٦].

والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه، والرب تعالى لم يُرِد من عبده أن يتجلد عليه، بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه، وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه، ويحب من يشكو ما به إليه.

وقيل لبعضهم: كيف تشكو إليه ما لا يخفى عليه؟ فقال:

قالو أتشكو إليه ما لا يخفى عليه

فقلتُ ربّيَ يرضى ذلّ العبيد لديه٢

والمقصود: أنه سبحانه أمر رسوله ﷺ أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختيارا وهذا أكمل الصبر؛ ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردّوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم الحاكم اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.

فإن قيل: فأيُّ أنواع الصبر الثلاثة أكمل: الصبر على المأمور، أم

  1. (١) سبق تخريجه ص ٢٢.
  2. (٢) ذكرهما ابن القيم أيضًا في "مدارج السالكين" (٣/ ١٥٤)، والمنبجي في "تسلية أهل المصائب" ص ٢١٩.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي