لا يمكن ارتكابُ المنهيِّ ألبتَّة، وأما ترك المنهي فإنه لا يستلزم إقامة الأمر.
السابع عشر: أن الرب تعالى إذا أمر عبدَه بأمر ونهاه عن أمر ففَعَلَهما جميعًا كان قد حصّل محبوب الرب وبغيضه، فقد يقوم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ويقاومُه، ولا سيّما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض، فيهَبُ له جناية ما فعل من هذا بطاعة ما فعل من الآخر.
ونظير هذا في الشاهد: أن يقتل الرجلُ عدوًّا لملكٍ هو حريص على قتله، وشَرِب مسكرًا نهاه عن شربه، فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه.
وأما إذا ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدًا، كما إذا أمر الملك عبده بقتل عدوِّه، ونهاه عن شرب مسكر، فعصاه في قتل عدوِّه مع قدرته عليه، وترَك شرب المسكر؛ فإن الملك لا يَهبُ له جُرْمَ ترك أمره في جَنْب ترك ما نهاه عنه. وقد فطر اللَّه عباده على هذا، فهكذا السادات مع عبيدَهم والآباء مع أولادهم والملوك مع خدمهم١، والزوجات مع أزواجهم، ليس التارك منهم محبوب الأمر ومكروهَه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره وبعض مكروهِه بوجه.
الوجه الثامن عشر: أن فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه، بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه، فيستحيل الإتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه أو بغضه، فغايته أنه اجتمع له
(١) في النسخ الثلاث الأخرى: "جندهم".
الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه، ويبغضه من وجه.
أما إذا ترك المأمور به جملة فإنه لم يقم به ما يحبه الرب عليه، فإنَّ مجرد ترك المنهي لا يكون طاعة إلا باقترانه بالمأمور كما تقدم١، فلا يحبه على مجرد الترك، وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر، فصار مبغوضًا للرب تعالى من كل وجه، إذ ليس فيه ما يحبه الرب عليه، فتأمله.
يوضحه:
التاسع عشر: وهو أن اللَّه سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودي أمر به إيجابًا أو استحبابًا، ولم يعلقها بالترك من حيث هو ولا في موضع واحد، فإنه يحب التوابين، ويحب المحسنين، ويحب الشاكرين، ويحب الصابرين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص، ويحب المتقين، ويحب الذاكرين، ويحب المتصدقين٢، فهو سبحانه إنما علق محبته بأوامره، إذ هي المقصود من الخلق والأمر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾[الذاريات: ٥٦]، فما خلق الخلق إلا لقيام أوامره٣، وما نهاهم إلا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها.
يوضحه:
العشرون: أن المنهجات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها