فالمذموم: الصبر عن اللَّه وإرادته ومحبته وسير القلب إليه، فإن هذا الصبر يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خُلِق له.
وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمُه وأبلغُه، فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه البتة، كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد اللَّه لأوليائه من كرامته ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالزهد٢ في هذا أعظم أنواع الزهد وأبلغها.
كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب من زهده: ما رأيت أزهد منك! فقال: أنت أزهد مني؛ أنا زهدت في الدنيا وهي لا بقاء لها ولا وفاء، وأنت زهدت في الآخرة، فمن أزهد منا؟!٣.
قال يحيى بن معاذ الرازي: "صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين، واعجبا كيف يصبرون؟ "
(١) استفاد الإِمام ابن القيم ﵀ هذا التقسيم من الغزالي ﵀ في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٧، ٦٩)، إلا أن الإِمام ابن القيم أبرز هذا التقسيم وجلاه، وأضاف إليه من فوائده الجليلة.
(٢) في الأصل: فالزاهد، تحريف.
(٣) انظر هذه الحكاية في: "التذكرة الحمدونية" (١/ ١٤٩). وهي محكية عن الرشيد والفضيل بن عياض. انظر: "الوافي بالوفيات" (٢٤/ ٦٠) في ترجمة الفضيل.
وفي هذا قيل:
والصبرُ يَجْمُلُ في المواطن كلهاإلا عليك فإنه لا يَجْمُلُ١
ووقف رجل على الشِّبلي٢ فقال: أي الصبر أشد على الصابرين؟. فقال: الصبر في اللَّه؟ فقال: لا. فقال: الصبر للَّه؟. قال: لا. قال: فالصبر مع اللَّه؟. قال: لا. قال: فأيشٍ هو؟ قال: الصبر عن اللَّه. فصرخ الشِّبلي صرخة كادت روحه تزهق٣.
وقيل: الصبر مع اللَّه وفاء، والصبر عن اللَّه جفاء٤.
وقد أجمع الناس على أن الصبر عن المحبوب غير محمود،
(١) انظر قول يحيى بن معاذ مع بيت الشعر في: "طبقات الأولياء" ص ٣٢٦، و"الرسالة القشيرية" ص ٢٥٦. وفيهما جعل البيت من إنشاد يحيى بن معاذ. وفيها "يُحْمَد". وذكر البيت الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩) دون نسبة. وهذا البيت مأخوذ من بيت لمحمد بن عبيد اللَّه العتبي، في رثاء ابن له مات: والصبرُ يُحمد في المواطن كلها … إلا عليك فإنه مذموم انظر: "التهاني والتعازي" للكرخي ص ١٤٩، و"التذكرة الحمدونية" (٤/ ٢٦٣)، و"الوافي بالوفيات" (٤/ ٦).
(٢) هو أبو بكر دلف بن جحدر -وقيل: ابن جعفر- الشبلي الخراساني الأصل، والبغدادي المولد والمنشأ، مالكي المذهب، صحب الجنيد وطبقته، وكان يبالغ في تعظيم الشرع المكرم، توفي ﵀ سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "طبقات الأولياء" ص ٢٠٤ - ٢٠٥، و"حلية الأولياء" (١٠/ ٣٦٦ - ٣٧٥).
(٣) انظر "اللمع" للطوسي ص ٥٤، و"الرسالة القشيرية" ص ٢٥٦، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩)، و"عوارف المعارف" للسهروردي (٥/ ٢٢١).