عدة الصابرين

فصل

وأما الصبر المحمود فنوعان: صبر للَّه وصبر باللَّه، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧].

وتنازع الناس أيُّ الصبرين أكمل؟

فقالت طائفة: الصبر له أكمل، فإنّ ما كان للَّه أكمل مما كان باللَّه، فإن كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة، والغايات أشرف من الوسائل، ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبررًا وتقربًا إلى اللَّه؛ لأنه نذْر له، ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج النهي لأنه حَلِفٌ.

فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته، وما كان به فهو متعلق بربوبيته، [وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته]١، ولذلك كان توحيد الإلهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده؛ فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن اللَّه وحده خالق كل شيء وربُّه ومليكُه، ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الإلهية، وهو: عبادته٢ وحده لا شريك له، لم ينفعهم توحيدُ ربوبيته.

وقالت طائفة: الصبر باللَّهِ أكمل، بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ [النحل: ١٢٧] فأمره بالصبر، والمأمور به هو الذي يُفعل لأجله، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]؛ فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدَّمتْها، أخبر

  1. (١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
  2. (٢) في الأصل: "عباده"، والتصويب من النسخ الأخرى.
80

فيها أنه لا يمكنه الصبر إلا به.

وذلك يتضمن أمرين: الاستعانة، والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة، كقوله: "فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطِش، وبي يمشي"١، وليس المراد بهذه الباء مجرد الاستعانة، فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصي، فإن ما لا يكون باللَّه لا يكون، بل هي باء المصاحبة. والمعيَّةُ التي صرح بمضمونها في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ٤٦﴾ [الأنفال: ٤٦] المعيةُ الحاصلةُ لعبدِه الذي تقرّب إليه بالنوافل حتى صار محبوبًا له، فيه يسمع وبه يبصر، وكذلك به يصبر، فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا واللَّه معه، ومتى كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله؛ كما في الأثر الإلهي: "بعيني ما يتحمَّلُ المتحمّلون من أجلي"٢.

  1. (١) جزء من حديث الولي الذي أصله عند البخاري في "صحيحه" رقم (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها". إلا أن جملة "فبي يسمع. . . " الخ لم يخرجها البخاري، ولم أقف على من أسندها، وقد ذكرها الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، ٣٨١ - ٣٨٢)، و(٢/ ١٩٥، ٢٣٦)، وكذلك ذكرها شيخ الإِسلام في مواضع متعددة، انظر على سبيل المثال: "مجموع الفتاوى" (٢/ ١٨، ٤٦٣)، و(٣/ ٤١٧) و(٥/ ٥١١)، و(٦/ ٤٨٤) و(٧/ ٤٤٣) و(٨/ ١٤٤) و(١٠/ ٧، ٣٠٥) وغيرها كثير. وذكرها الطوفي في "التعيين في شرح الأربعين" ص ٣٢٠ وغيرهم.
    وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٩١): "ولم أرَ هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرجين. . . ".
  2. (٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٦٠) عن وهب بن منبه: "أوحى اللَّه =
81

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي