ويدل قولُه: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[النحل: ١٢٧] على أنه من لم يكن اللَّه معه لم يمكنه الصبر، وكيف يصبر على الحكم الأمريِّ امتثالًا وتنفيذًا وتبليغًا، وعلى الحكم القدري احتمالًا له واضطلاعًا به من لم يكن اللَّه معه؟!
فلا يطمع في درجة الصبر المحمودة عواقبه من لم يكن صبره باللَّه، كما لا يطمع في درجة المُقرّب١ المحبوب من لم يكن سمعُه وبصره وبطشه ومشيه باللَّه.
وهذا هو المراد من قوله: "كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يَبطش بها، ورجله التي يمشي بها"٢ ليس المراد به: أني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى، كما يظنه أعداءُ اللَّه أهلُ الوحدة، وأن ذات العبد هي ذاتُ الربّ، تعالى٣ عن قول إخوان النصارى علوَّا كبيرًا.
= تعالى إلى بعض أنبيائه: بعيني. . . ". وفي (٩/ ٢٥٥) رواه عن أبي سليمان الداراني يقول: قرأت في بعض الكتب: يقول اللَّه ﷿: "بعيني. . . " فذكره. وفي (١٠/ ٨٠) ذكره عن بعض العلماء قال: "أوحى اللَّه تعالى إلى نبي من الأنبياء. . . " فذكره. وذكره ابن أبي الدنيا في "حسن الظن باللَّه" برقم (٩٠)، فقال: "بلغني أن اللَّه ﷿ أوحى إلى بعض أنبيائه. . . " فذكره
(١) في النسخ الثلاث الأخرى: "المقترب".
(٢) تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث عند البخاري في الصفحة السابقة هامش (١).
(٣) في النسخ الأخرى: "تعالى اللَّه".
ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره. ولا بين حالتي تقرّبه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي، بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه، ولا عبد ومعبود، ولا محب ومحبوب، فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجهًا تُعرف بالتأمل الظاهر.
وقد فَسّر المراد من قوله: "كنت سمعه، وبصره، ويده، ورجله" بقوله: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي"١ فعبّر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابّه بألطف عبارة وأحسنِها، تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه، وبصره، ويده، ورجله.
ونظير هذا قوله: "الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّه في الأرض، فمن صافَحه وقبّله، فكأنما صافح اللَّهَ وقبّل يمينَه"٢.
(١) سبق أن الجملة الأولى من الحديث أخرجها البخاري في "صحيحه"، وأما الجملة الثانية فلم أقف عليها.
(٢) رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٤٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٢٨). كلاهما من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي عن أبي معشر المدائني عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "الحجر يمين اللَّه في الأرض، يصافح به عباده". وقال ابن عدي عن إسحاق هذا: "وإسحاق بن بشر الكاهلي قد روى غير هذه الأحاديث، وهو في عداد من يضع الحديث". وقال الخطيب عنه: "يروي عن مالك بن أنس وأبي معشر. . . وغيرهم من الرفعاء أحاديث منكرة". لذا فقد أورد الحديث الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٢٢٣).