عدة الصابرين

ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره. ولا بين حالتي تقرّبه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي، بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه، ولا عبد ومعبود، ولا محب ومحبوب، فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجهًا تُعرف بالتأمل الظاهر.

وقد فَسّر المراد من قوله: "كنت سمعه، وبصره، ويده، ورجله" بقوله: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي"١ فعبّر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابّه بألطف عبارة وأحسنِها، تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه، وبصره، ويده، ورجله.

ونظير هذا قوله: "الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّه في الأرض، فمن صافَحه وقبّله، فكأنما صافح اللَّهَ وقبّل يمينَه"٢.

  1. (١) سبق أن الجملة الأولى من الحديث أخرجها البخاري في "صحيحه"، وأما الجملة الثانية فلم أقف عليها.
  2. (٢) رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٤٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٢٨). كلاهما من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي عن أبي معشر المدائني عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "الحجر يمين اللَّه في الأرض، يصافح به عباده".
    وقال ابن عدي عن إسحاق هذا: "وإسحاق بن بشر الكاهلي قد روى غير هذه الأحاديث، وهو في عداد من يضع الحديث".
    وقال الخطيب عنه: "يروي عن مالك بن أنس وأبي معشر. . . وغيرهم من الرفعاء أحاديث منكرة".
    لذا فقد أورد الحديث الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٢٢٣).
83

ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن يُنزل الشيءُ منزلةَ ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب: أنت روحي، وسمعي، وبصري، وفي ذلك معنيان:

أحدهما: أنه قد صار بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره.

والثاني: أن محبته وذكره لما استولى على قلبه وروحه صار معه وجليسه، كما جاء في الحديث: "أنا جليس من ذكرني"١، وفي الحديث الآخر: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"٢، وفي الحديث الإلهي: "فإذا أحببتُ عبدي كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا"٣، ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا

  1. (١) رواه ابن شاهين في "الترغيب" -كما في "الدرر المنتثرة" للسيوطي حديث رقم (٤٠)، وكما في "كنز العمال" رقم (١٨٦٥) -، من طريق محمد بن جعفر الداني عن سلام بن مسلم عن زيد العمي عن أبي نصرة عن جابر عن النبي ﷺ أن اللَّه ﷿ قال لموسى: "يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني وحيث ما التمسني عبدي وجدني".
    ثم قال السيوطي: "محمد بن جعفر وشيخه متروكان، وزيد العمي ليس بالقوي".
    وأورده الديلمي في "الفردوس" برقم (٤٥٣٣) من حديث ثوبان نحوه.
  2. (٢) علقه البخاري في "صحيحه" (١٣/ ٥٠٨)، ووصله ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٧٩٢)، من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه ابن حبان فأخرجه في صحيحه برقم (٨١٥).
  3. (٣) هذا جزء من حديث الوليّ من رواية أنس بن مالك، أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" رقم (١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٢٧) وليس فيه محل الشاهد، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٣١٨ - ٣١٩)، وابن الجوزي =
84

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي