عدة الصابرين

اختياره، وغالب ما يأتي قولهم: "وذلك في اللَّه" في هذا المعنى، فتأمل قوله ﷺ: "ولقد أوذيت في اللَّه"، وقول خبيب: "وذلك في ذات الإله"، وقول عبد اللَّه بن حرام: "حتى أُقتل فيك" وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه.

وليست: "في" هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية، وإن كانت السببية أصلها، فانظر إلى قوله: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل"١، وقوله:

  1. (١) أخرجه النسائي في "المجتبى" رقم (٤٨٥٣)، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وفيه: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل". ثم ضعفه.
    وأخرجه النسائي في "المجتبى" أيضًا رقم (٤٨٥٦)، (٤٨٥٧) من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه ﷺ لعمرو بن حزم في العقول: "إن في النفس مائة من الإبل". وهو ظاهر الإرسال.
    إلا أن معنى هذه الجملة من الحديث يشهد له حديث سهل بن أبي حثمة الذي رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٨٩٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٦٩)، "أن النبي ﷺ ودى الأنصاري الذي قُتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة" واللَّه أعلم.
    أما لفظة: "في النفس المؤمنة. . . " هكذا، فإني لم أقف عليها مسندة، وقد ذكر البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ١٠٠) أن هذه اللفظة جاءت في رواية أبي أويس عن عبد اللَّه ومحمد ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما عن رسول اللَّه ﷺ.
    إلا أن هذه اللفظة: "المؤمنة" مفهومة من سياق حديث النسائي رقم (٤٨٥٣) فإنه جاء في أوله: "من اعتبط مؤمنًا فتلًا. . . وأن في النفس الدية مائة من الإبل" واللَّه أعلم.
89

"دخلت امرأة النار في هرة"١، كيف تجد فيه معنى زائدًا على السببية؟

وليست: "في" للوعاء في جميع معانيها، فقولك: فعلت هذا في مرضاتك، فيه معنى زائد على قولك: فعلته لمرضاتك، وأنت إذا قلت: أوذيت في اللَّه، لا يقوم مقام هذا اللفظ قولك: أوذيت للَّه، ولا بسبب اللَّه، وإذا فهم المعنى طُوي حكم العبارة.

والمقصود: أن الصبر في اللَّه إن أريد به هذا المعنى فهو حق، وإن أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره، وعن نواهيه له وبه، لم يحصل، فالصابر في اللَّه كالمجاهد في اللَّه، والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله، واللَّه الموفق.

وأما قول بعضهم: "الصبر للَّه عناء، والصبر باللَّه بقاء، والصبر في اللَّه بلاءً، والصبر مع اللَّه وفاء، والصبر عن اللَّه جفاء"٢، فكلام لا يجب التسليم لقائله؛ لأنه ذكر ما سنح له وتصوره، وإنما يجب التسليم للنقل المصدَّق عن القائل المعصوم.

ونحن نشرح هذه الكلمات:

أما قوله: "الصبر للَّه عناء"، فإن الصبر للَّه ترك حظوظ النفس ومرادها لمراد اللَّه، وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه، فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين اللَّه، بحيث يسير منها إلى اللَّه، شديد جدًّا

  1. (١) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٣١٨) -واللفظ المذكور له-، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٢٤٢) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄.
  2. (٢) انظير هذا القول في: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٧، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩).
90

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي