على النفس، بخلاف السفر من النفس إلى الآخرة فإنه سهل كما قال أبو القاسم الجنيد: "المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهُجران الخَلق في جنب الحق شديد، والمسير من النفس إلى اللَّه صعب شديد، والصبر مع اللَّه أشد"١.
وأما قوله: "والصبر باللَّه بقاء" فلأن العبد إذا كان باللَّه هان عليه كل شيء، ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلًا، فإنه إذا كان باللَّه لا بالخلق ولا بنفسه، كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه إذا كان بنفسه وبالخلق، وفي هذه الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته، وتنقلب مشاق التكليف له نعيمًا وقرة عين، قال بعض الزهاد: "عالجت قيام الليل عشرين سنة ثم تنعَّمت به عشرين سنة"٢، ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة.
وأما قوله: "الصبر في اللَّه بلاءً" فالبلاء فوق العناء، والصبر فيه فوق الصبر له وأخص منه، كما تقدم، فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه، وهو أشق من الجهاد له، فكل مجاهد في اللَّه وصابر في اللَّه مجاهد له وصابر له من غير عكس، فإن الرجل قد يجاهد ويصبر للَّه مرة فيقع عليه اسم من فعَل ذلك للَّه، ولا يقع عليه اسم من فعل ذلك في اللَّه، إلا على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل في الجنة.
وأما قوله: "والصبر مع اللَّه وفاء" فلأن الصبر معه هو الثبات معه على أحكامه، وأن لا يزيغ القلب عن الإنابة، ولا الجوارح عن الطاعة،
(١) أسند قول الجنيد هذا: القشيري في "رسالته" ص ٢٥٥. وذكره الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٧).
(٢) لم أقف عليه.
فتُعطى المعية حقها من التوفية؛ كما قال تعالى عن خليله ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ٣٧﴾[النجم: ٣٧]؛ أي: وفّى ما أُمرَ به بصبره مع اللَّه على أوامره.
وأما قوله: "والصبر عن اللَّه جفاء" فلا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ومولاه الذي لا مولى له سواه، ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم إلا بمحبته والقرب منه وإيثار مرضاته على كل شيء، فأي جفاء أعظم من الصبر عنه.
وهذا معنى قول من قال: "الصبر على ضربين: صبر العابدين، وصبر المحبين؛ فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظًا، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضًا"١ كما قيل:
تبيَّنَ يومَ البَينِ أن اعتزامَهعلى الصبر من إحدى الظُّنونِ الكَواذِبِ٢
وقال الآخر:
ولما دَعوتُ الصَّبْرَ بعدكَ والبُكاأجابَ البُكا طَوْعًا ولم يُجِب الصَّبْرُ٣
قالوا: ويدل عليه أن يعقوب صلوات اللَّه وسلامه عليه قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾[يوسف: ١٨، ٨٣] ورسول اللَّه إذا وعد وفي، ثم حمله
(١) هذا الكلام قاله القشيري في "رسالته" ص ٢٥٩.
(٢) البيت من أربعة أبيات وإسحاق بن إبراهيم المصعبي في الأغاني (٥/ ٤٢٧). وهو في "الرسالة القشيرية" ص ٢٦٠، و"الأغاني" (٥/ ٤٢٧)، و"الأمالي" للزجاجي ص ١٦.
(٣) البيت منسوب للعباس بن الأحنف، وهو في "ديوانه" ص ١٣٧. وانظره في: "الحماسة البصرية" (٢/ ٧٥٨). ونُسب أيضًا لأعرابي يرثي ابنه. انظر: "التذكرة الحمدونية" (٤/ ٢٤٥)، و"العقد الفريد" (٣/ ٢١٥).