في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلًا عن هذا العبد الضعيف.
الخامس: مشهد الفوات، وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا، وتزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعًا وعقلًا وعرفًا. ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافًا مضاعفة، فكيف يبيعه بشهوة تذهب لذتُها وتبقى سوء معيشتها١؟! تذهب الشهوة وتبقى الشقوة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"٢.
قال بعض الصحابة: "يُنزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظُّلّة؛ فإن تاب عاد إليه"٣.
وقال بعض التابعين: "يُنزع عنه الإيمان كما يُنزع عنه القميص فإن
(١) في (م) و(ن): "تبعتها" مكان: "سوء معيشتها"، وفي (ب): "تبعاتها".
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٤٧٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٥٧)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر معناه عن الصحابة في: "شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٥٣٦٧)، و"الشريعة" للآجري ص ١١٤ - ١١٥، و"شرح الاعتقاد لللالكائي" رقم (١٨٦٩ - ١٨٧١، ١٨٧٧)، و"السنة" لعبد اللَّه بن أحمد (١/ ٣٥١)، و"السنة" للخلال (٤/ ١٠٠، ١٠٢ - ١٠٣)، و"تعظيم قدر الصلاة" رقم (٥٣٨ - ٥٣٩). وقد رواه أبو داود في "سننه" رقم (٤٦٩٥) عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٢) على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.
تاب لبِسه"١.
ولهذا رأى النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه٢ الزناة في التنور عراة؛ لأنهم تعرَّوا من لباس الإيمان، وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنورًا ظاهرًا يحمى عليه بالنار.
السادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرّة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوّك من الآدميين وأحلى موقعًا وأتم فرحة. وأما عاقبته فأحمد عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد، وأعاده إلى صحته واعتداله.
السابع: مشهد العِوَض، وهو ما وعَد اللَّه سبحانه به تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها، وليوازن بين العوض والمعوض، فأيُّهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.
الثامن: مشهد المعيّة، وهي نوعان: معية عامة، ومعية خاصة. فالعامة اطلاع الرب تعالى عليه، وكونه بعينه لا تخفى عليه حاله، وقد تقدم.
(١) هو مروي عن خالد بن معدان. انظر: "الثقات" لابن حبان (٧/ ٤٢). وقد جاء ذلك في حديث مرفوع إلى النبي ﷺ رواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (١٢٧٤).
(٢) صحيح البخاري رقم (١٣٨٦) من حديث سمرة بن جندب ﵁.