ولهذا رأى النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه٢ الزناة في التنور عراة؛ لأنهم تعرَّوا من لباس الإيمان، وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنورًا ظاهرًا يحمى عليه بالنار.
السادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرّة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوّك من الآدميين وأحلى موقعًا وأتم فرحة. وأما عاقبته فأحمد عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد، وأعاده إلى صحته واعتداله.
السابع: مشهد العِوَض، وهو ما وعَد اللَّه سبحانه به تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها، وليوازن بين العوض والمعوض، فأيُّهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.
الثامن: مشهد المعيّة، وهي نوعان: معية عامة، ومعية خاصة. فالعامة اطلاع الرب تعالى عليه، وكونه بعينه لا تخفى عليه حاله، وقد تقدم.
(١) هو مروي عن خالد بن معدان. انظر: "الثقات" لابن حبان (٧/ ٤٢). وقد جاء ذلك في حديث مرفوع إلى النبي ﷺ رواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (١٢٧٤).
(٢) صحيح البخاري رقم (١٣٨٦) من حديث سمرة بن جندب ﵁.
الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ١٢٨﴾[النحل: ١٢٨]، وقولِه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ٦٩﴾[العنكبوت: ٦٩]، فهذه المعية الخاصة خير له وأنفع في دنياه وآخرته من قضاء وطره ونيل شهوتِه على التمام من أول العمر إلى آخره، فكيف يؤثر عليها لذة مُنغّصة مُنَكّدة في مدة يسيرة من العمر، إنما هي كأحلام النائم أو ظل زائل؟!
التاسع: مشهدُ المغافصة١ والمعاجلة٢، وهو: أن يخاف٣ أن يغافصَه الأجلُ؛ فيأخذه اللَّه ﷿ على غِرّة، فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الدنيا وبينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة، فيا لها من حسرة ما أمرّها وما أصعبها، [لكن ما يعرفها إلا من جربها]٤!
وفي بعض الكتب القديمة: "يا من لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم، الحذر الحذر"٥.
العاشر: مشهد البلاء والعافية، فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها؛ فأهل البلاء هم أهل المعصية وإن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن
(١) غافص الرجل مغافصة وغفاصًا: أخذه على غزة. "لسان العرب" (٧/ ٦١).
(٢) في (ب): "والمعالجة". وهو خطأ.
(٣) جملة "أن يخاف" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.
(٥) ذكر وهب بن منبه أنه وجده في التوراة بلفظ: "يا من لا يستتم سرور يوم، ولا يأمن على روحه يومًا، الحذر الحذر". رواه البيهقي في "الزهد الكبير" رقم (٥٢١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٣/ ٣٩٣).