الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ١٢٨﴾[النحل: ١٢٨]، وقولِه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ٦٩﴾[العنكبوت: ٦٩]، فهذه المعية الخاصة خير له وأنفع في دنياه وآخرته من قضاء وطره ونيل شهوتِه على التمام من أول العمر إلى آخره، فكيف يؤثر عليها لذة مُنغّصة مُنَكّدة في مدة يسيرة من العمر، إنما هي كأحلام النائم أو ظل زائل؟!
التاسع: مشهدُ المغافصة١ والمعاجلة٢، وهو: أن يخاف٣ أن يغافصَه الأجلُ؛ فيأخذه اللَّه ﷿ على غِرّة، فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الدنيا وبينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة، فيا لها من حسرة ما أمرّها وما أصعبها، [لكن ما يعرفها إلا من جربها]٤!
وفي بعض الكتب القديمة: "يا من لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم، الحذر الحذر"٥.
العاشر: مشهد البلاء والعافية، فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها؛ فأهل البلاء هم أهل المعصية وإن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن
(١) غافص الرجل مغافصة وغفاصًا: أخذه على غزة. "لسان العرب" (٧/ ٦١).
(٢) في (ب): "والمعالجة". وهو خطأ.
(٣) جملة "أن يخاف" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.
(٥) ذكر وهب بن منبه أنه وجده في التوراة بلفظ: "يا من لا يستتم سرور يوم، ولا يأمن على روحه يومًا، الحذر الحذر". رواه البيهقي في "الزهد الكبير" رقم (٥٢١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٣/ ٣٩٣).
مرضت أبدانهم.
وقال بعض أهل العلم في الأثر المروي: "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا اللَّه العافية"١: إن أهل البلاء المبتلون بمعاصي اللَّه والإعراض والغفلة عنه٢.
وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول أنواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم، واللَّه أعلم.
الحادي عشر: أن يُعوّد باعث الدين ودواعيه مصارعة الهوى ومقاومته على التدريج قليلًا قليلًا حتى يدرك لذة الظفر، فتقوى حينئذ هِمته، فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله. والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة يزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال، ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البزاز٣ والخياط ونحوهما. ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوي فيه باعث الشهوة، ومن عوّد نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد.
(١) ذكر هذا الأثر ابن الجوزي في "المدهش" ص ٣٣٨، دون نسبة لأحد. وجاء أنه مرفوع إلى النبي ﷺ كما سيأتي في الحاشية التالية، إلا أنه روي عن عيسى بن مريم أنه قال: "فارحموا أهل البلاء واحمدوا اللَّه على العافية". رواه: مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٦) بلاغًا، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣١٨٧٩، ٣٤٢٣٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٥٨، ٣٢٨) وغيرهما.
(٢) وهذا مروي عن الشبلي أنه سئل عن قول النبي ﷺ: "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا اللَّه العافية". من هم أهل البلاء؟ قال الشبلي: أهل الغفلة عن اللَّه. انظر: "تاريخ بغداد" (١٢/ ١٦١).