الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات اللَّه التي ندب عباده إلى التفكر فيها، وهي: آياته المتلوَّة وآياته المخلوقة، فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاضرة الشيطان ومحادثته ووسواسه. وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاضر الرحمن ورسوله والصحابة، فرغب عن ذلك إلى محاضرة الشيطان من الإنس والجنّ! فلا غبن بعد هذا الغبن، واللَّه المستعان.
الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها، فلا يرضى لنفسه أن يتزوّد منها إلى دار بقائه وخلوده أخسَّ ما فيها وأقله نفعًا [إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب]٢ فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان زاده ما يعذب به ويناله بسببه غاية الألم؟! بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه كان حسرة عليه.
السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين إصبعيه، وأزمّة الأمور بيديه، وانتهاء كل شيء إليه على الدوام، فلعله أن يصادف أوقات النفحات، كما في الأثر المعروف: "إن للَّه في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته، واسألوا اللَّه أن يستُر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم"٣.
(١) ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) روي عن أبي الدرداء ﵁، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٥٩٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٢١). وجاء في حديث مرفوع عن أنس بن مالك، أخرجه الطبراني في "الكبير" =
ولعله في كثرة تعرضه يصادف ساعة من الساعات التي لا يسأل اللَّه فيها شيئًا إلا أعطاه، فمن أُعطي منشور الدعاء أُعطي الإجابة، فإنه لو لم يُرد إجابته لما ألهمه دعاءه، كما قيل:
لو لم ترِد نَيلَ ما أرجو وأطلبهمن جود كفك ما عوّدتَني الطَّلبا١
ولا يستوحش مِنْ ظاهر الحال، فإن اللَّه سبحانه يعامل عبده بمعاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله، كما ليس كمثله شيء٢ في صفاته، فإنه ما حَرَمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال، كما قيل: يا آدم لا تجزع من قولي لك: اخرُجْ منها، فلك خلقتها وسأعيدك إليها.
فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه، ويعطيه بحرمانه، ويصحه بسقمه، فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلًا إلا إذا كانت تغضبه عليه، وتبعده منه.
السابع عشر: أن يعلم بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب
= رقم (٧٢٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٦٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١١٢١) وغيرهم. وروي أيضًا من مسند أبي هريرة ومحمد بن مسلمة ﵄. وحسنه الألباني مرفوعًا بمجموع طرقه وشواهده في "السلسلة الصحيحة" رقم (١٨٩٠).
(١) لم أقف عليه، وذكره ابن القيم ﵀ في "مدارج السالكين" (٣/ ١٠٣).
(٢) كلمة "شيء" ساقطة من الأصل. واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.