عدة الصابرين

ولعله في كثرة تعرضه يصادف ساعة من الساعات التي لا يسأل اللَّه فيها شيئًا إلا أعطاه، فمن أُعطي منشور الدعاء أُعطي الإجابة، فإنه لو لم يُرد إجابته لما ألهمه دعاءه، كما قيل:

لو لم ترِد نَيلَ ما أرجو وأطلبهمن جود كفك ما عوّدتَني الطَّلبا١

ولا يستوحش مِنْ ظاهر الحال، فإن اللَّه سبحانه يعامل عبده بمعاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله، كما ليس كمثله شيء٢ في صفاته، فإنه ما حَرَمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال، كما قيل: يا آدم لا تجزع من قولي لك: اخرُجْ منها، فلك خلقتها وسأعيدك إليها.

فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه، ويعطيه بحرمانه، ويصحه بسقمه، فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلًا إلا إذا كانت تغضبه عليه، وتبعده منه.

السابع عشر: أن يعلم بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب

  1. = رقم (٧٢٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٦٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١١٢١) وغيرهم.
    وروي أيضًا من مسند أبي هريرة ومحمد بن مسلمة ﵄. وحسنه الألباني مرفوعًا بمجموع طرقه وشواهده في "السلسلة الصحيحة" رقم (١٨٩٠).
  2. (١) لم أقف عليه، وذكره ابن القيم ﵀ في "مدارج السالكين" (٣/ ١٠٣).
  3. (٢) كلمة "شيء" ساقطة من الأصل. واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
109

يجذبه إلى أسفل سافلين.

فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى، وكلما انقاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين.

ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين روحه في هذا العالم، فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الذي كانت منجذبة إليه في الدنيا [فهو أولى بها، فالمرء مع من أحب طبعًا وعقلًا وجزاءً، وكل مهتم بشيء]١ فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع، "وكلُّ امرئ يصبو إلى ما يناسبه"، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهممها وأعمالها إلى أعلى، والنفوس السافلة إلى أسفل.

الثامن عشر: أن يعلم أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث٢ الرحمة، وتنقيته من الدغل٣ شرط لكمال الزرع، فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلاًّ فارغا قابلًا٤ ينزل فيه، وإن فرّغه حتى أصابه غيث الرحمة لكنه لم يُنَقّه من الدّغل لم يكن الزرع زرعًا كاملًا بل ربما غلب الدّغل على الزرع وكان الحكم له.

  1. (١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) ليست في الأصل، وإنما أثبتها من النسخ الأخرى، وهو مفهوم مما يأتي في كلام المصنف.
  3. (٣) الدَّغَل: الفساد، وأصل الدّغل الشجر الملتف الكثير. انظر: "لسان العرب" (١١/ ٢٤٥ - ٢٤٤).
  4. (٤) الكلمتان: "فارغًا قابلًا" ليستا في الأصل. أما الكلمة الأولى فهي من: (م) و(ن). وأما الكلمة الثانية، فهي من باقي النسخ.
110

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي