عدة الصابرين

ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. قال: "هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، فأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول اللَّه ﷺ، فلما أتوا رسول اللَّه ﷺ ورأوا الناس قد فقِهوا في الدين همّوا أن يعاقبوهم، فأنزل اللَّه ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح١.

وما أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده، وفي الحديث: "الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبنَة"٢.

وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثني حسين٣ بن واقد قال: حدثني عبدُ اللَّه بن بُريدة قال: سمعت أبي يقول: "كان رسول اللَّه ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول اللَّه ﷺ عن المنبر فحَملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق اللَّه ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما"٤.

  1. (١) "جامع الترمذي" رقم (٣٣١٧).
  2. (٢) رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٦٦٦)، من حديث يعلى العامري. وصححه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٦٤) على شرط مسلم.
    وله شواهد أمثلها حديث الأسود بن خلف، رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٩٦).
  3. (٣) في الأصل وباقي النسخ: "زيد". والتصويب من مصادر التخريج.
  4. (٤) "المسند" (٥/ ٣٥٤).
    وأخرجه أبو داود في "سننه" رقم (١١٠٩)، والترمذي في "جامعه" رقم =
116

وهذا من كمال رحمته ﷺ ولطفه بالصغار وشفقته عليهم، وهو تعليم منه للأمة الرحمة والشفقة واللطف بالصغار.

فصل

وإنما كان الصبر على السرّاء شديدًا؛ لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره، وكذلك الشبق عند غيبة المرأة أصبر منه عند حضورها.

فصل

وأما النوع الثاني المخالف للهوى فلا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي، أو لا يرتبط أوله١ باختياره كالمصائب، أو يرتبط أوله باختياره ولكن لا اختيار له فى إزالته بعد الدخول فيه، فهاهنا ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يرتبط باختياره، وهو: جميع أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية.

فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية، أما الصلاة فلِما في طبعها من الكسل وإيثار الراحة٢.

  1. = (٣٧٧٤) وقال: "حسن غريب"، والنسائي في "المجتبى" رقم (١٤١٣)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٦٥٠).
  2. (١) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  3. (٢) في النسخ الأخرى بعد هذه الكلمة العبارة الآتية: "ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب ورين الذنب، والميل إلى الشهوات، ومخالطة أهل الغفلة، فلا =
117

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي