عدة الصابرين

أحدهما: ما لا صنع لآدمي فيه.

والثاني: ما أصابه من جهة آدمي مثله، كالسبّ والضرب وغيرهما.

فالنوع الأول أربع مقامات:

أحدها: مقام العجز والشكوى والتسخط، وهذا لا يفعله إلا أقل الناس عقلًا ودينًا ومروءة، وهو أعظم المصيبتين.

المقام الثاني: مقام الصبر، إما للَّه وإما للمروءة والإنسانية.

المقام الثالث: مقام الرضى، وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه.

المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى، فإنه يشهد البلية نعمة، فيشكر المبتليَ عليها.

وأما النوع الثاني: وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات، وتنضاف إليها أربعة أخر:

أحدها: مقام العفو والصفح.

الثاني: مقام سلامة القلب من إرادة التشفي والانتقام، وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها.

الثالث: مقام شهود القدر، وأنه وإن كان ظالمًا بإيصال هذا الأذى إليك، فالذي قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم، وأذى الناس مثل الحَرّ والبرد لا حيلة في دفعه، فالمتسخط من أذى الحرّ والبرد غير حازم، والكل جارٍ بالقدر، وإن اختلفت١ طرقه وأسبابه.

  1. (١) في الأصل: "اختلف"، والمثبت من النسخ الأخرى.
120

المقام الرابع: مقام الإحسان إلى المسيء ومقابلة إساءته بإحسانك، وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه إلا اللَّه، فإن فات العبد هذا المقام العالي فلا يرضى لنفسه بأخسّ المقامات وأسفلها.

فصل١

القسم الثالث: ما يكون وروده باختياره، فإذا تمكّن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه، وهذا كالعشق الذي أوله اختيار وآخره اضطرار، وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التي لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها، كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول المسكر. فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله، فلما فاته بقي فرضه الصبر عليه في آخره، وأن لا يطيع داعي هواه ونفسه.

وللشيطان ههنا دسيسة عجيبة، وهي: أن يخيّل إليه أن نيل بعض ما مُنع منه قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوي، وغايته أن يكون كالتداوي بالخمر والنجاسة، وقد أجازه كثير من الفقهاء٢.

  1. (١) لم تظهر في الأصل.
  2. (٢) أما التداوي بالخمر، فالقول بالجواز هو وجه عند الحنفية ووجه عند الشافعية، وقول للمالكية إذا كان التداوي بها في ظاهر الجسد دون باطنه.
    انظر: "حاشية ابن عابدين" (٥/ ٢٢٨)، و"القوانين الفقهية" ص ٢٩٥، و"روضة الطالبين" (١٠/ ١٦٩).
    وأما التداوي بالنجاسة فهو مذهب الحنفية والشافعية، ووجه عند المالكية إذا كان على ظاهر الجسد.
    انظر: "حاشية ابن عابدين" (١/ ٢١٠)، (٤/ ٢١٥)، و"القوانين الفقهية" ص ٢٩٥، و"روضة الطالبين" (١٦٩١٠).
121

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي