في "الصحيحين" من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: "اتق اللَّه واصبري"، فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟ فلما ذهب، قيل لها: إنه رسول اللَّه. فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول اللَّه لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند أول صدمة". وفي لفظ: "عند الصدمة الأولى"٢.
[وقولُه: "الصبر عند الصدمة الأولى"]٣، مثل قوله: "ليس الشديد بالصرعة، الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"٤، فإن مفاجأة المصيبة بغتة. لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسر حدها، وضعفت قوّتها، فهان عليه استدامة الصبر.
وأيضًا فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطَّن لها فتزعجه، وهي الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك فقد توطن لها وعلم أنه لا بد له منها، فيصير صبره شبيه الاضطرار. وهذه المرأةُ لما علمت
(١) انظر في بعض ذلك "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٥٣).
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٧١٥٤) لففظ الأول، و(١٢٨٣) للثاني و"صحيح مسلم" رقم (٩٢٦) للفظين.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٦١١٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٠٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
أن جزعها لا يجدي عليها شيئًا جاءت تعتذر إلى النبي ﷺ، كأنها تقول له: قد صبرت. فأخبرها أن الصبر عند الصدمة الأولى.
ويدل على هذا المعنى ما رواه سعيد بن زربي١ عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: مرّ النبيُّ ﷺ بالبقيع على امرأة جاثمة على قبر تبكي، فقال: "يا أمة اللَّه اتقي اللَّه٢ واصبري". قالت: يا عبد اللَّه إني لجَزْعى ثكلى. فقال: "يا أمة اللَّه اتقي اللَّه واصبري". قالت يا عبد اللَّه لو كنت مصابًا عذَرْتَنِي. قال: "أمة اللَّه اصبري". قالت: يا عبد اللَّه قد أَسْمَعتَ فانصرف عني، فمضى رسول اللَّه ﷺ، واتّبعه رجل من أصحابه، فوقف على المرأة فقال لها: ما قال لك الرجل الذاهب؟ قالت: قال لي كذا وكذا وأجبته بكذا وكذا. قال: هل تعرفينه؟ قالت: لا. قال: ذاك رسول اللَّه ﷺ. قال: فوثبت مسرعة نحوه حتى انتهت إليه وهي تقول: أنا أصبر أنا أصبر يا رسول اللَّه. فقال: "الصبر عند الصدمة الأولى، الصبر عند الصدمة الأولى". قال ابن أبي الدنيا: حدثنا بشر بن الوليد الكندي وصالح بن مالك قالا: حدثنا سعيد بن زَرْبي فذكره٣.
فهذا السياق يُبيّن معنى الحديث.
قال أبو عبيد: إن كل ذي مَرْزئة٤ فإن قصاراه
(١) هو سعيد بن زربي الخزاعي البصري، منكر الحديث. انظر: "تقريب التهذيب" ص: ٣٧٧.
(٢) ليست في الأصل، إنما أثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) لم أقف عليه عند ابن أبي الدنيا. وقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" رقم (٦٠٦٧). وروى البزار طرفًا منه كما في "مجمع الزوائد" للهيثمي (٣/ ٢). ثم ضعفه الهيثمي.