ويروي عن عائشة عنه ﷺ: "إذا اشتكى المؤمنُ أخلَصَه ذلك من الذنوب، كما يُخلِص الكيرُ الخَبَث من الحديد"١.
وفي "صحيح البخاري" من حديث خبّاب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد ببُردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يُؤتى بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاطِ الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدُّه ذلك عن دينه، واللَّه لَيُتِمَّنَّ اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غَنمِه، وأنتم٢ تستعجِلون"٣.
وفي لفظ للبخاري: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة -وقد لقينا من المشركين شدة- فقلت: ألا تدعو اللَّه؟ فقعد٤
وهو محمر وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدُه ذلك عن دينه"٥.
وقد حمل بعض أهل العلم قول خباب: "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ
(١) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (٤٩٧)، وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" رقم (٢٩٣٦).
(٢) في سائر النسخ: "ولكنكم".
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٦٩٤٣).
(٤) في الأصل: "فقد"، وهو خطأ.
(٥) "صحيح البخاري" رقم (٣٨٥٢).
حرّ الرَّمْضاء فلم يُشْكِنا"١ على هذا المحمل، وقال: شكوا٢ إليه حرّ الرمضاء الذي كان يصيب جباهَهم وأكفَّهم من تعذيب الكفار فلم يُشكِهم، وإنما دَلّهم على الصبر.
وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسّر ذلك بالسجود على الرمضاء، واحتج به على وجوب مباشرة المصلي بالجَبْهة، لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا دليل في اللفظ على ذلك.
الثاني: أنهم قد أَخبروا أنهم كانوا مع النبي ﷺ، فكان أحدهم إذا لم يستطع أن يسجد على الأرض بسط ثوبه فيسجد عليه٣، والظاهر أن هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرّهم عليه.
الثالث: أن شدة الحرّ في الحجاز تمنع مباشرة الجبهة والكفّ للأرض، بل تكاد تشوي الوجهَ والكفَّ فلا يتمكن٤ من الطمأنينة في السجود، ويذهب خشوع الصلاة، ويتضرر البدن، ويتعرض للمرض، والشريعة لا تأتي بهذا.
فتأمل رواية خبّاب لهذا وللذي قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين، ولا تستوحش من قوله: "فلم يُشكِنا"، فإنه هو معنى إعراضه عن
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٦١٩).
(٢) في الأصل: "شكونا"، والتصويب من النسخ الأخرى.
(٣) وذلك فيما رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٥٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٦٢٠) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ في شدة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه".
(٤) في الأصل: "تمكن": والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.