عدة الصابرين

حرّ الرَّمْضاء فلم يُشْكِنا"١ على هذا المحمل، وقال: شكوا٢ إليه حرّ الرمضاء الذي كان يصيب جباهَهم وأكفَّهم من تعذيب الكفار فلم يُشكِهم، وإنما دَلّهم على الصبر.

وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسّر ذلك بالسجود على الرمضاء، واحتج به على وجوب مباشرة المصلي بالجَبْهة، لثلاثة أوجه:

أحدها: أنه لا دليل في اللفظ على ذلك.

الثاني: أنهم قد أَخبروا أنهم كانوا مع النبي ﷺ، فكان أحدهم إذا لم يستطع أن يسجد على الأرض بسط ثوبه فيسجد عليه٣، والظاهر أن هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرّهم عليه.

الثالث: أن شدة الحرّ في الحجاز تمنع مباشرة الجبهة والكفّ للأرض، بل تكاد تشوي الوجهَ والكفَّ فلا يتمكن٤ من الطمأنينة في السجود، ويذهب خشوع الصلاة، ويتضرر البدن، ويتعرض للمرض، والشريعة لا تأتي بهذا.

فتأمل رواية خبّاب لهذا وللذي قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين، ولا تستوحش من قوله: "فلم يُشكِنا"، فإنه هو معنى إعراضه عن

  1. (١) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٦١٩).
  2. (٢) في الأصل: "شكونا"، والتصويب من النسخ الأخرى.
  3. (٣) وذلك فيما رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٥٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٦٢٠) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ في شدة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه".
  4. (٤) في الأصل: "تمكن": والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
147

شكايتهم وإخباره لهم بصبر من قبلهم، واللَّه أعلم.

وفي "الصحيحين" من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: أرسلت بنت النبي ﷺ إليه: أن ابنًا لي١ احتضر فأتنا. فأرسل يُقرئ السلام ويقول: "إن للَّه ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ٢ عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب". فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرُفع الصبي إلى رسول اللَّه ﷺ فأقعده في حجره ونَفْسُه تَقَعْقَعُ٣ كأنها شنٌّ٤، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول اللَّه ما هذا؟ قال: "هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء"٥.

وفي "سنن النسائي" عن ابن عباس ﵄ قال: احتضرت بنت لرسول اللَّه ﷺ صغيرة، فأخذها رسول اللَّه ﷺ وضمَّها إلى صدره ثم وضع يده عليها٦ وهي بين يدي رسول اللَّه ﷺ، فبكت أم أيمن، فقلت لها: أتبكين ورسول اللَّه ﷺ عندك؟ فقالت: ما لي لا أبكي ورسول اللَّه ﷺ يبكي، فقال رسول اللَّه ﷺ: "إني لست أبكي ولكنها رحمة"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ: "المؤمن بخير على كل حال،

  1. (١) ليست في الأصل وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) في سائر النسخ: "وكل شيء".
  3. (٣) أي: تضطرب وتتحرك. "النهاية" (٤/ ٨٨).
  4. (٤) الشنّ أي القربة. انظر: "النهاية" (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧).
  5. (٥) "صحيح البخاري" رقم (١٢٨٤)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٢٣).
  6. (٦) في "سنن النسائي" بعد هذه الكلمة: "فقضت".
148

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي