وقال عقبة بن عامر الجهني: قال رسول اللَّه ﷺ: "ليس من عمل إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن، قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته عن العمل، فيقول الرب تعالى: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت"١.
وقال أبو هريرة: "إذا مرض العبد المسلم نُودي صاحب اليمين أن أجري٢ على عبدي صالح ما كان يعمل وهو صحيح، ويقال لصاحب الشمال: أقصر عن عبدي ما دام في وثاقي". فقال رجل عند أبي هريرة: يا ليتني لا أزال ضاجعًا. فقال أبو هريرة: كره العبد الخطايا.
ذكره ابن أبي الدنيا٣.
وذكر أيضًا عن هلال بن يساف٤ قال: كنا قعودًا عند عمار بن ياسر فذكروا الأوجاع، فقال أعرابي: ما اشتكيت قط، فقال عمار: "ما أنت منا، أو لست منا، إن المسلم يُبتلى ببلاء فتُحَط عنه ذنوبُه كما يحط الورق من الشجر، وإن الكافر أو الفاجر يُبتلي ببلية، فمثله مثل
= المستدرك (٤/ ٣٠٧) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(١) أخرجه أحمد في "المسند" (٤/ ١٤٦)، وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (١٢). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢١٩٣).
(٢) في (ن): "أجر".
(٣) رواه في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٤)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٤٨).
(٤) هلال بن يساف هنا يروي عن ربيع بن عميلة، وربيع هو القائل: كنا قعودًا. . . الخ. كما في مصادر التخريج.
بعير، إن أُطلق لم يَدرِ لِمَ أطلق، وإن عُقل لم يَدرِ لِمَ عُقل"١.
وذُكر عن أبي معمر الأزدي قال: "كنا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئًا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم: ألا إن السُّقم لا يُكتب له أجر. فساءنا ذلك وكبُر علينا. فقال: ولكن يُكفَّر به الخطيئة. فسرّنا ذلك وأعجبنا"٢.
وهذا من كمال علمه وفقهه ﵁، فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما٣ تولّد منها، كما ذكر سبحانه النوعين في آخر سورة التوبة في قوله في المباشِر من الإنفاق وقطع الوادي: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾[التوبة: ١٢١]، وفي المتولد من إصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾[التوبة: ١٢٠]، فالثواب مرتبط بهذين النوعين، وأما الأسقام والمصائب فإن ثوابها تكفير الخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾[الشورى: ٣٠].
والنبي ﷺ إنما قال في المصائب: "كفّر اللَّه بها من خطاياه"، كما تقدم ذكر ألفاظه ﷺ٤. وكذا قوله: "المرضُ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٥)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩١٣).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٦)، ورواه أيضًا الطبراني في "المعجم الكبير" رقم (٨٥٠٦)، وحسنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٣٠١).