وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت فينظر فيها، وفيها: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[الطور: ٤٨]٢.
وقال عمر بن الخطاب أيضًا: "لو كان الصبر والشكر بعيرين٣ لم أبال أيهما ركبت"٤.
وكان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال: "سحابة ثم تنقشع"٥.
وقال ابن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾[السجدة: ٢٤]: "لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوسًا"٦.
وقيل للأحنف بن قيس: ما الحلم؟ قال: "أن تصبر على ما تكره قليلًا"٧.
وقال وهب: "مكتوب في التوراة٨: قصر السفه النصب، وقصر
(١) تقدم في ص ١٣٠.
(٢) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (٢٠).
(٣) في الأصل: "بعيران". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى ومن مصدر التخريج.
(٤) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (٧).
(٥) انظر: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٨.
(٦) انظر: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٩، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٤٤٦). والآية الواردة جاءت في الأصل وسائر النسخ هكذا ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، وقد بحثت في كتب القراءات فلم أجدها قراءة. واللَّه أعلم.
(٧) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الحلم" رقم (٧٣).
(٨) في النسخ الثلاث الأخرى: "الحكمة". وهو كذلك في مصدر التخريج.
الحلم الراحة، وقصر الصبر الظفر"١.
قصر الشيء وقصاراه: غايته وثمرته.
وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد، وكان من أحسن الناس وجهًا، فدخل يومًا على الوليد في ثياب وشي٢ وله غديرتان٣ وهو يضرب بيده، فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش. فعانه٤، فخرج من عنده متوسنًا٥، فوقع في إصطبل الدواب، فلم تزل الدوابُّ تطؤه بأرجلها حتى مات.
ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة، فبعث إليه الوليدُ الأطباءَ فقالوا له: إن لم تقطعها سَرَت إلى باقي الجسد فتهلك، فعزم على قطعها، فنشروها بالمنشار، فلما صار المنشار إلى القصبة٦ وضع رأسه على الوسادة فغشي عليه ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر، فأخذها بيده وجعل يقلبها في يده٧ ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بها إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي اللَّه.
ثم أمر بها فغُسلت وطيِّبت وكُفِّنت في قُبطية٨، ثم بَعث بها إلى مقابر
(١) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الحلم" رقم (٧٢).
(٧) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٨) القُبطية: ثياب كتان بيضٍ رقاقٍ تُعمل بمصر وهي منسوبة إلى القبط على غير قياس. "لسان العرب" (٧/ ٣٧٣). وفي النسخ الثلاث الأخرى: "قطيفة"، والقطيفة ثوب له خَمْلٌ. =