وقال الحسن: "ما جرعتان أحب إلى اللَّه من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبُها بحسن عزاء وصبر، وجرعة غيظ ردها بحلم"٣.
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا عبد اللَّه بن لهيعة عن عطاء بن دينار أن سعيد بن جبير قال: "الصبر اعتراف العبد للَّه بما أصابه منه واحتسابه عند اللَّه ورجاءُ ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يُرى منه إلا الصبر"٤.
فقوله: "اعتراف العبد للَّه بما أصاب منه" كأنه تفسير قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٥٦]، فيعترف أنه مُلك للَّه يتصرَّف فيه مالكه بما يريد.
وقوله: "واحتسابه عند اللَّه" كأنه تفسير لقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾٥[البقرة: ١٥٦]، أي: نُرَدّ إليه فيجزينا على صبرنا، ولا يضيع أجر المصيبة.
= (١٣/ ٤٠).
(١) أخرجه عنه: ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ٤٠)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٧).
(٢) أخرجه عنه ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ٤٠).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٤٠٩) عن الحسن مرفوعًا.
(٤) "الزهد" لابن المبارك رقم (١١١) زوائد نعيم. ومن طريقه أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٣). ومن غير طريقه أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١٨٨) نحوه.
(٥) في الأصل: "وإنا للَّه وإليه راجعون". والمثبت موافق للنسخ الأخرى.
وقوله: "وقد يجزع الرجل وهو يتجلد"، أي: ليس الصبر بالتجلد، وإنما هو حبس القلب عن التسخط على المقدور، واللسان عن الشكوي، فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر، فليس بصابر.
وقال يونس بن يزيد: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى الصبر؟ قال: "أن يكون يوم تُصيبه المصيبة مثله قبل أن تُصيبه"١.
وقال قيس بن الحجاج٢ في قول اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ٥﴾[المعارج: ٥] قال: "أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يُعرف من هو"٣.
وكان شمّر إذا عزي مصابًا قال: "اصبر لما حكم ربّك"٤.
وقال أبو عقيل: رأيت سالم بن عبد اللَّه بن عمر بيده سوط وعليه إزار في موت واقد بن عبد اللَّه بن عمر، لا يسمع صارخة ينالها بالسوط إلا ضربها٥.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن جعفر بن مهران قال: قالت امرأة من قريش:
أما والذي لا خُلد إلا لوجههومن ليسَ في العز المنيعِ له كفو
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٤).
(٢) هو قيس بن الحجاج الكلاعي المصري صدوق توفي سنة تسع وعشرين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٨٠٣).
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٥).