وقوله: "وقد يجزع الرجل وهو يتجلد"، أي: ليس الصبر بالتجلد، وإنما هو حبس القلب عن التسخط على المقدور، واللسان عن الشكوي، فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر، فليس بصابر.
وقال يونس بن يزيد: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى الصبر؟ قال: "أن يكون يوم تُصيبه المصيبة مثله قبل أن تُصيبه"١.
وقال قيس بن الحجاج٢ في قول اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ٥﴾[المعارج: ٥] قال: "أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يُعرف من هو"٣.
وكان شمّر إذا عزي مصابًا قال: "اصبر لما حكم ربّك"٤.
وقال أبو عقيل: رأيت سالم بن عبد اللَّه بن عمر بيده سوط وعليه إزار في موت واقد بن عبد اللَّه بن عمر، لا يسمع صارخة ينالها بالسوط إلا ضربها٥.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن جعفر بن مهران قال: قالت امرأة من قريش:
أما والذي لا خُلد إلا لوجههومن ليسَ في العز المنيعِ له كفو
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٤).
(٢) هو قيس بن الحجاج الكلاعي المصري صدوق توفي سنة تسع وعشرين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٨٠٣).
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٥).
(٤) ذكره المنبجي في "تسلية أهل المصائب" ص (١٦٣).
(٥) لم أقف عليه مسندًا.
لئن كان بدءُ١ الصبرِ مُرًّا٢ مذاقهلقد يُجتنى٣ من غِبه الثمر الحلو٤
قال: وأنشدني عمرو بن بُكير:
صبرتُ وكان الصبر خير مغبةٍوهل جزَعٌ مُجْدٍ عليّ فأجزَع
ملكتُ دموعَ العين حتى رددتُهاإلى ناظري فالعين في القلب تدمع٥
قال وأنشدني أحمد بن موسى الثقفي:
نُبِّئْتُ خولةَ أمسِ قد جزعتْمن أن تنوبَ نوائب الدهر
لا تجزعي يا خَوْلُ واصطبريإن الكرام بُنُوا على الصبر٦
قال وحدثني عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل التيمي: "أن رجلًا عزَّى رجلًا على ابنه فقال: إنما يستوجب على اللَّه وعده من٧ صبر للَّه بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنها
(١) في (م) و(ن): "بذر".
(٢) في (ن): "مرٌّ".
(٣) في (ب): "يجنى".
(٤) كتاب "الصبر" رقم ١٦٩.
(٥) لم أقف عليهما في كتب ابن أبي الدنيا. البيتان من قصيدة للخريمي في رثاء مولاه أبي الهيذام أوردها ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٦/ ٣٣٧). وانظر ذيل الأمالي (١٢٠) ومعاهد التنصيص (٢٤٦).
(٦) لم أقف عليهما في كتب ابن أبي الدنيا. والبيتان منسوبان لمنظور بن زَبّان، وخولة هي ابنته زوج الحسين بن على. انظر: "الأمالي" للزجاجي ص ٨، وفي النسخ "واصبري" ولا يستقيم معه الوزن.