ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، ولا نُقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين، والآثار المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول.
وقد كره إسحاق بن راهويه أن يترك لبس ما عادته لبسه وقال: هو من التّسلّب٢.
وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئًا من زيّهم قبل المصيبة، ولا يتركون ما كانوا يعملونه، فهذا كله منافٍ للصبر، واللَّه أعلم.
(١) لم أقف عليه في كتب شيخ الإسلام المتوفرة، ولعله مما سمعه ابن القيم من شيخ الإسلام، مما لم يكن مدونًا.
(٢) في (ب): "الجزع". والتّسلب: لبسُ السّلاب، وهي ثياب المأتم السود. انظر: "لسان العرب" (١/ ٤٧٣).
الباب الثامن عشر في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها
فمنها البكاء على الميت:
ومذهب أحمد وأبي حنيفة جوازه قبل الموت وبعده، واختاره أبو إسحاق الشيرازي١.
وكرهه الشافعي وكثير من أصحابه بعد الموت، ورخصوا فيه قبل خروج الروح٢.
واحتجوا بحديث جابر بن عتيك: أن رسول اللَّه ﷺ جاء يعود عبد اللَّه ابن ثابت فوجده قد غُلب، فصاح به فلم يجبه، فاسترجع وقال: "غُلبنا عليك يا أبا الربيع"، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول اللَّه ﷺ: "دَعْهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية" قالوا: وما الوجوب يا رسول اللَّه؟ قال: "الموت". رواه أبو داود والنسائي٣.
(٢) انظر لكراهة الشافعي ذلك: "الأم" (١/ ٢٧٩). ومذهب الشافعية جواز البكاء قبل الموت وبعده، وقبله أولى. انظر: "روضة الطالبين" (٢/ ١٤٥).
(٣) "سنن" أبي داود رقم (٣١١١)، و"المجتبى" للنسائي رقم (١٨٤٦). وصححه ابن حبان فأخرجه في "صحيحه" حديث رقم (٣١٨٩)، وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٥٢)، ووافقه الذهبي.