وفي "المسند" أيضًا عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، قالت: "فوالذي نفسي بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي"١.
وفي "المسند" أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة يُبكى عليها وأنا معه، ومعه عمر بن الخطاب، فانتهر عمر اللاتي يَبكين عليها، فقال النبي ﷺ: "دعهن يا ابن الخطاب، فإن النفس مصابة، وإن العين دامعة، والعهد قريب"٢.
وفي "جامع الترمذي" عن جابر بن عبد اللَّه قال: أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي ﷺ فوضعه في حِجره فبكى، فقال له: أتبكي، أولم تكن نَهيت عن البكاء؟ قال: "لا، ولكن نَهَيْتُ عن صوتين أحمقين فاجرين؛ صوت عند مصيبة: خمشِ الوجوه٣، وشقَّ الجيوب، ورنّةِ الشيطان". قال الترمذي: هذا حديث حسن٤.
وقد صح عنه ﷺ: "أنه زار قبر أمه فبكى، وأبكى من
= وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (١٧١٥).
(١) "المسند" (٦/ ١٤١ - ١٤٢) ضمن حديث طويل. وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم ٦٧.
(٢) "المسند" (٢/ ٣٣٣). ورواه النسائي في "المجتبى" رقم (١٨٥٩)، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٥٨٧). وصححه ابن حبان حيث أورده في صحيحه برقم (٣١٥٧).
(٣) في (ب): "الوجه".
(٤) "جامع الترمذي" رقم (١٠٠٥).
حوله"١.
وصح عنه: "أنه قبَّل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه"٢.
وصح عنه: "أنه نعى جعفرًا وأصحابه وعيناه تذرفان"٣.
وصح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قبَّل النبي ﷺ وهو ميت وبكى٤.
فهذه اثنا عشر٥ حجة تدل على عدم كراهة البكاء، فتعين حمل أحاديث النهي على البكاء الذي معه ندب ونياحة، ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث عمر٦: "الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"٧ وفي بعضها: "يعذب بما نيح عليه"٨.
وقال البخاري في "صحيحه": قال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان -يعني: خالد بن الوليد- ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع:
(١) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٣١٦٣)، والترمذي في "جامعه" رقم (٩٨٩) وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٤٥٦) من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٦٣٠).
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٤١)، (١٢٤٢).
(٥) كذا في الأصول، والوجه: اثنتا عشرة.
(٦) في الأصل: "ابن عمر"، وهو سهو. والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٧) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٨٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٩٢٧).
(٨) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٩١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٩٢٧).