عدة الصابرين

ناصرها؟! أنت كاسيها؟! "١.

وفي "صحيح البخاري" عن النعمان بن بشير قال: "أغمي على عبد اللَّه بن رواحة، فجعلت أخته عمرة بنت رواحة تبكي وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ لي شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك؟ فلما مات لم تَبكِ عليه"٢.

وكيف لا تكون هذه الخصال محرمة وهي مشتملة على التسخط على الرب، وفعل ما يناقض الصبر، والإضرار بالنفس: من لطم الوجه، وحلق الشعر ونتفه، والدعاء عليها بالويل والثبور، والتظلم من اللَّه سبحانه، وإتلاف المال بشق الثياب وتمزيقها، وذكر الميت بما ليس فيه؟

ولا ريب أن التحريم الشديد يَثبت ببعض هذا.

قال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم له: قد روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل: أنهما كانا يسمعان النوح ويسكتان٣.

قالوا: وفي "الصحيحين" عن أم عطية قالت: لَمّا أُنزلت هذه الآية

  1. = انظر: "لسان العرب" (٣/ ٤٧٨).
  2. (١) "المسند" (٤/ ٤١٤).
    ورواه ابن ماجه في "سننه" برقم (١٥٩٤) نحوه. وصححه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧١).
  3. (٢) "صحيح البخاري" رقم (٤٢٦٧)، (٤٢٦٨).
  4. (٣) انظر: "المغني" (٣/ ٤٩٠).
    وأثر أبي وائل أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (١٢١١٣).
198

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إلى قوله ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] كان منه النياحة، فقلت: يا رسول اللَّه إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال: "إلا آل فلان"١.

وفي رواية لهما قالت: بايعنا رسول اللَّه ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ مِنّا يدها فقالت: فلانة أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها. قالت: فما قال لها شيئًا، فذهبت فانطلقت ثم رجعت، فبايعها٢.

قالوا: وهذا الإذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعًا بين الأدلة.

قال المحرِّمون: لا تُعَارَضُ سنة رسول اللَّه ﷺ بأحد من الناس كائنًا من كان، ولا تضرب سنتُه بعضها ببعض، وما ذكرنا من النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل تأويلًا، وقد انعقد عليها الإجماع.

وأما المرأة التي قال لها: "إلا آل فلان"، والمرأة التي سكت عنها، فذلك خاص بهما لوجهين:

أحدهما: أنه قال لغيرهما لما سألته ذلك: "لا إسعاد في الإسلام"٣.

  1. (١) "صحيح البخاري" رقم (٤٨٩٢)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٣٧)، واللفظ لمسلم.
  2. (٢) هذا اللفظ هو للبخاري رقم (٤٨٩٢)، واللفظ السابق هو لمسلم رقم (٩٣٧).
  3. (٣) سبق تخريجه قريبًا.
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي