﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾[الممتحنة: ١٢] إلى قوله ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾[الممتحنة: ١٢] كان منه النياحة، فقلت: يا رسول اللَّه إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال: "إلا آل فلان"١.
وفي رواية لهما قالت: بايعنا رسول اللَّه ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ مِنّا يدها فقالت: فلانة أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها. قالت: فما قال لها شيئًا، فذهبت فانطلقت ثم رجعت، فبايعها٢.
قالوا: وهذا الإذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعًا بين الأدلة.
قال المحرِّمون: لا تُعَارَضُ سنة رسول اللَّه ﷺ بأحد من الناس كائنًا من كان، ولا تضرب سنتُه بعضها ببعض، وما ذكرنا من النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل تأويلًا، وقد انعقد عليها الإجماع.
وأما المرأة التي قال لها: "إلا آل فلان"، والمرأة التي سكت عنها، فذلك خاص بهما لوجهين:
أحدهما: أنه قال لغيرهما لما سألته ذلك: "لا إسعاد في الإسلام"٣.
(١) "صحيح البخاري" رقم (٤٨٩٢)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٣٧)، واللفظ لمسلم.
(٢) هذا اللفظ هو للبخاري رقم (٤٨٩٢)، واللفظ السابق هو لمسلم رقم (٩٣٧).
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
والثاني: أنه أطلق لهما ذلك وهُمَا حديثا عهد بالإسلام، وهما لم يميّزا بين الجائز من ذلك وبين المحرم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فعلم أن الحكم لا يعدوهما إلى غيرهما.
فصل
وأما الكلمات١ اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على وجه النّوح والتسخّط، فلا تحرم ولا تنافي الصبر الواجب، نص عليه أحمد٢ لما رواه في "مسنده" من حديث أنس: "أن أبا بكر ﵁ دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه"٣.
وفي "صحيح البخاري" عن أنس أيضًا قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه. فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعَاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللَّه ﷺ التراب٤.
وقال رسول اللَّه ﷺ: "وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون"٥.
وهذا ونحوه من القول الذي ليس فيه تظلُّم للمقدور، ولا تسخُّط