والعذاب هو: الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وقد قال النبي ﷺ: "السَّفَرُ قطعة من العذاب"١، وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى إن الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره ويتأذى بذلك، كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره، فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم، تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث، وباللَّه التوفيق٢.
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٠٠١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٩٢٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (٢٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
الباب التاسع عشر في أن الصبر نصف الإيمان وأن الإيمان١ نصفان: نصف صبرٍ، ونصف شكرٍ
قال غير واحد من السلف: "الصبر نصف الإيمان"٢.
وقال عبد اللَّه بن مسعود: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"٣.
ولهذا جمع اللَّه سبحانه بين الصبر والشكر في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥﴾ [إبراهيم: ٥، الشورى: ٣٣، سبأ: ١٩، لقمان: ٣١]، في سورة إبراهيم، وفي سورة حم عسق، وفي سورة سبأ، وفي سورة لقمان.
وقد ذُكر لهذا التنصيف اعتبارات:
أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية، وهي ترجع إلى شطرين: فعل وترك، فالفعل هو العمل بطاعة اللَّه ﷿ وهو حقيقة الشكر، والترك هو الصبر عن المعصية، والدين كله في هذين الشيئين: فعل المأمور، وترك المحظور.
(١) في (ن): "الأعمال". وهو غلط.
(٢) انظر ذلك في: "تفسير الطبري" (٢١/ ٨٤)، و"تفسير القرطبي" (١٤/ ٥٣)، و"شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٤٤٤٨)، و"الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٥٨)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٢٥٩) وغيرها.
(٣) روى عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" رقم (٨١٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٤٦)، والطبراني في "الكبير" رقم (٨٥٤٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٨)، (٩٧١٧)، عنه أنه قال: الصبر نصف الإيمان.