الباب التاسع عشر في أن الصبر نصف الإيمان وأن الإيمان١ نصفان: نصف صبرٍ، ونصف شكرٍ
قال غير واحد من السلف: "الصبر نصف الإيمان"٢.
وقال عبد اللَّه بن مسعود: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"٣.
ولهذا جمع اللَّه سبحانه بين الصبر والشكر في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥﴾ [إبراهيم: ٥، الشورى: ٣٣، سبأ: ١٩، لقمان: ٣١]، في سورة إبراهيم، وفي سورة حم عسق، وفي سورة سبأ، وفي سورة لقمان.
وقد ذُكر لهذا التنصيف اعتبارات:
أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية، وهي ترجع إلى شطرين: فعل وترك، فالفعل هو العمل بطاعة اللَّه ﷿ وهو حقيقة الشكر، والترك هو الصبر عن المعصية، والدين كله في هذين الشيئين: فعل المأمور، وترك المحظور.
(١) في (ن): "الأعمال". وهو غلط.
(٢) انظر ذلك في: "تفسير الطبري" (٢١/ ٨٤)، و"تفسير القرطبي" (١٤/ ٥٣)، و"شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٤٤٤٨)، و"الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٥٨)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٢٥٩) وغيرها.
(٣) روى عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" رقم (٨١٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٤٦)، والطبراني في "الكبير" رقم (٨٥٤٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٨)، (٩٧١٧)، عنه أنه قال: الصبر نصف الإيمان.
الاعتبار الثاني: أن الإيمان مبني على ركنين: يقين، وصبر. وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ١ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤﴾[السجدة: ٢٤].
فباليقين يَعلم حقيقةَ الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وبالصبر ينفِّذ ما أُمر به ويكفُّ نفسه عما نُهي عنه، ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي أنه من عند اللَّه وبالثواب والعقاب إلا باليقين، ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن فعل المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر، بفعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.
الاعتبار الثالث: أن الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح.
وبيان ذلك: أن من عرف بقلبه، ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنًا، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾[النمل: ١٤]، وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ٣٨﴾[العنكبوت: ٣٨]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾[الإسراء: ١٠٢].
فهؤلاء حصل لهم قول القلب وهو: المعرفة والعلم، ولم يكونوا بذلك مؤمنين.
وكذلك من قال بلسانه وليس في قلبه، لم يكن بذلك مؤمنًا، بل كان
(١) في الأصل و(ب): ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، وهي على الصواب في (م) و(ن).