عدة الصابرين

الشكر، فإنه ألحق الشاكر بالصابر وشبّهه به، ورتبة المشبَّه به أعلى من رتبة المشبَّه، وهذا كقوله: "مدمن الخمر كعابد وثن"١، ونظائر ذلك.

قالوا: وإذا وازنا بين النصوص الواردة في الصبر والواردة٢ في الشكر، وجدنا نصوص الصبر أضعافها، ولهذا لما كانت الصلاة والجهاد أفضل الأعمال كانت الأحاديث فيهما أكثر من الأحاديث في سائر الأبواب، فلا تجد الأحاديث النبوية في باب أكثر منها في باب الصلاة والجهاد.

قالوا: وأيضًا فالصبر يدخل في كل باب، بل في كل مسألة من مسائل الدين، ولهذا كان من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.

قالوا: وأيضًا فاللَّه سبحانه علق على الشكر الزيادة، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وعلق على الصبر الجزاء بغير حساب، فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ١٠﴾ [الزمر: ١٠].

وأيضًا فإنه سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ١٤٤﴾ [آل عمران: ١٤٤] وقال: ﴿وَسَنَجْزِي

  1. = وأخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (١٧٦٥)، من حديث سنان بن سَنّة ﵁ بلفظ: "الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر".
  2. (١) رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٣٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
    ورواه أحمد في "مسنده" (١/ ٢٧٢) من حديث عبد اللَّه بن عباس بلفظ: "مدمن الخمر إن مات لقي اللَّه كعابد وثن".
    وصحح الحديث الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٦٧٧)، بمجموع طرقه.
  3. (٢) في الأصل: "الوارد". والتصويب من النسخ الأخرى.
211

الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقيد جزاء الصابرين بالإحسان، فقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦].

قالوا: وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول اللَّه تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به"١. وفي لفظ: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، قال اللَّه: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"٢، وما ذلك إلا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها، كما في الحديث نفسه: "يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي"٣، ولهذا قال النبي ﷺ لمن سأله عن أفضل الأعمال: "عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له"٤.

ولما كان الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الهوى، وكان هذا حقيقة الصوم -فإنه حبس النفس عن إجابة داعي شهوة الطعام والشراب والجماع- فُسِّرَ الصبر في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة: ٤٥] إنه: الصوم٥، وسمِّي شهر رمضان: شهر الصبر٦.

  1. (١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٩٢٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١١٥١) (١٦٣). من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (١١٥١) (١٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) هذا جزء من الحديث السابق.
  4. (٤) رواه النسائي في "المجتبى" رقم (٢٢٢٢) من حديث أبي أمامة ﵁.
    وصحح الحديث ابن خزيمة حيث أورده في صحيحه برقم (١٨٩٣)، وصححه ابن حبان في صحيحه برقم (٣٤٢٦).
  5. (٥) انظر في ذلك: "تفسير الطبري" (١/ ٢٥٩)، و"تفسير القرطبي" (١/ ٢٥٣)، و"تفسير ابن كثير" (١/ ٨٣).
  6. (٦) جاءت تسمية شهر رمضان بشهر الصبر في عدة أحاديث منها:
    - حديث الباهلي، رواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٤٢٨)، وابن ماجه =
212

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي